وقد استدل على ذلك بالأدلة الأربعة : اما الكتاب فبآيات أظهرها قوله تعالى : [ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ] ( 1 ) وفيه : إن نفي
شرح
( 1 ) اما كونها اظهر فلأن هذه الآية المباركة بعد تمامية مقدماتها يكون لها ظهور واضح على البراءة في مقام الشك في أصل التكليف .
واما المقدمات التي يبتني عليها الاستدلال بها للبراءة فثلاث :
الأولى : كون المراد من العذاب المنفي فيما هو ما يعمّ العذاب الأخروي ، لأنه لو كان المراد منه هو العذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة تكون أجنبية عما نحن فيه ، لأنه كان ذلك لعدم تصديق الأمم المبعوث لها الأنبياء وتكذيبهم لهم وجرأتهم على ايذائهم أو قتلهم ، لا لمخالفتهم للتكاليف الفرعية مع وصول بيانها لهم .
الثانية : ان المراد من الرسول هو الأعم من الرسول الظاهري وهم الأنبياء والرسول الباطني وهو البيان ، فإنه لو كان المراد بها خصوص الرسول الظاهري أيضا تكون أجنبية عن المقام ، لان مدلولها يكون هو ان نفي العذاب وان كان أخرويا منوط بالرسول الظاهري ، وهذا المعنى أجنبي عما هو المطلوب اثباته بها في البراءة ، من كون نفي العذاب منوطا بعدم وصول البيان ، فالاستدلال بها للبراءة يتوقف على كون المراد من الرسول البيان ، وانما كني به عن البيان لملازمة البيان للرسول غالبا ، لان البيان من الله لأحكامه انما يكون على لسان رسله ومن طريقهم .
الثالثة : ان يكون المراد من نفي العذاب هو نفي استحقاق العذاب لا نفي فعلية العذاب ، لان المبحوث عنه في البراءة هو نفي استحقاق العقاب عند عدم البيان ، ولا ملازمة بين الاستحقاق والفعلية ، لوضوح ان الله تعالى فضله ربما لا يعاقب من استحق العقاب ، فإذا كانت الآية المباركة في مقام رفع استحقاق العقاب عند عدم البيان - المكنى عنه بالرسول - كانت مربوطة بمحل الكلام ودالة على البراءة الشرعيّة عند عدم البيان الواصل ، وإذا كان المنفي فيها فعلية العقاب لا تنفع دليلا في ما نحن فيه ، لاحتمال كون من لم يصله البيان مستحقا للعقاب بمجرد احتماله لذلك وقد