إلى الحكمة والإطلاق بمعنى استفادة دوام الحكم وعدم اختصاصه ببعض الأزمنة فليس هنا عموم للآية يتمسّك به بعد الحكم بحرمة المقاربة في زمان التّلبّس بالدّم بل يمكن منع العموم الزّماني لعمومات الحليّة أيضا فلا مانع من إجراء استصحاب الحرمة مع قطع النّظر عن المناقشة في بقاء الموضوع وكون المرجع في إحرازه العرف وهو حاكم على أصالة الحليّة الَّتي هي الأصل في الأشياء وهو نظير ما لو خرج فرد من العموم الأفرادي وكان المتيقّن خروجه في زمان بحيث كان بعده مشكوكا فإنّه يجري استصحاب حكم الخاص في الزّمان المشكوك من حيث عدم المانع منه فإنّ المفروض عدم جواز التمسّك بالعموم في المقام حيث إنّه ليس الشك راجعا إلى الشّك في التّخصيص ومن هنا حكم غير واحد باستصحاب الخيار فيما شك في فوريته من غير التفات إلى قوله أوفوا بالعقود وإن خالف فيه المحقّق الثّاني نظرا إلى استفادة العموم الزّماني من الآية هذا وسنوضح تفصيل القول في ذلك في الجزء الثّالث من التّعليقة إن شاء اللَّه تعالى وممّا ذكرنا كلَّه يعرف المراد من قول شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره على الوجهين في كون المقام إلى آخره فإنّه يحمل الوجه الأوّل في كلامه على القول بكون كلمة أنّى للمكان بالتّقريب الَّذي عرفته والوجه الثّاني على كونها للزّمان كما صرّح به في الكتاب والتّفريع على الوجه الأخير ليس من جهة اختصاص الحكم به بل من جهة ثبوته له وإن ثبت للوجهين الأولين أيضا
نعم ؛ حقّ التّحرير أن يقول بدل قوله إذ لم يثبت تواتر التّخفيف لفرض الإجمال وعدم قوّة إحدى القراءتين على الأخرى ؛ فافهم
قوله قدس سره : الثّالث أنّ وقوع التّحريف إلخ
أقول : ينبغي التكلَّم أوّلا في أصل وقوع التّحريف والتّغيير والنّقيصة والزّيادة في القرآن بعض الكلام ثمّ تعقيبه بالكلام في قدح وقوع التّغيير بالمعنى الأعمّ في حجيّة ظواهر آيات الأحكام وعدمه
فنقول إنّه لا خلاف بين علماء الشّيعة في أنّه كان لأمير المؤمنين عليه وعلى أخيه الرّسول الأمين وأولادهما المنتجبين ألف سلام وصلاة وتحيّة قرآن مخصوص جمعه بعد وفات رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وقد عرضه على النّاس والمنحرفين وأعرضوا عنه قائلين إنّه لا حاجة لنا فيه فحجبه عنهم وأودعه ولده عليه السلام يتوارثه إمام عن إمام كسائر خصائص الإمامة والرسالة وهو الآن عند الحجّة وإمام العصر عجّل اللَّه فرجه يظهر للنّاس بعد ظهوره ويأمرهم بقراءته وقد نطقت به الأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى كما أنّه لا خلاف بينهم في مخالفته لما في أيدي النّاس في الجملة ولو من حيث التّأليف وترتيب السّور والآيات بل الكلمات وإلَّا لم يكن معنى لكونه من خصائصه عليه السلام ويدلّ عليه مضافا إلى وضوحه ما رواه الشّيخ المفيد قدس سره في محكيّ إرشاده عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال إذا قام قائم آل محمّد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط لمن يعلَّم النّاس القرآن على ما أنزله اللَّه تعالى فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنّه يخالف فيه التّأليف الخبر وغيره كما أنّهم لا ينكرون مخالفته لما في أيدي النّاس من حيث اشتماله على وجوه التّأويل والتّنزيل والتّفسير والأحاديث القدسيّة
كما صرّح به الصّدوق والمفيد عن بعض أهل الإمامة والسيّد الكاظمي الشّارح للوافية وغيرهم قدست أسرارهم قال الصّدوق في محكيّ اعتقاداته إنّه قد نزل من الوحي الَّذي ليس بقرآن ما لو جمع إلى القرآن لكان مبلغه مقدار سبع عشرة ألف آية وذلك مثل قول جبرئيل للنّبي صلى الله عليه وآله إنّ اللَّه تعالى يقول لك دار خلقي مثل ما أداري ومثل قوله اتّق شحناء النّاس وعداوتهم ومثل قوله عش ما شئت فإنّك ميّت وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه وشرف المؤمن صلاته بالليل وعزّه كفّ الأذى عن النّاس ومثل قول النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله ما زال جبرئيل يوصيني بالسواك حتّى خفت أن أدرد أو أحفى وما زال يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورث وما زال يوصيني بالمرأة حتّى ظننت أنّه لا ينبغي طلاقها وما زال يوصيني بالمملوك حتّى ظننت أنّه سيضرب له أجلا يعتق فيه ومثل قول جبرئيل للنّبي صلَّى اللَّه عليه وآله حين فرغ من غزوة الخندق يا محمّد إنّ اللَّه تبارك وتعالى يأمرك أن لا تصلَّي العصر إلَّا ببني قريضة ومثل قوله صلى الله عليه وآله أمرني بمداراة النّاس كما أمرني بأداء الفرائض ومثل قوله صلى الله عليه وآله إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن لا نتكلَّم النّاس إلَّا بمقدار عقولهم ومثل قوله صلى الله عليه وآله إنّ جبرئيل أتاني من قبل ربّي يأمرني بما قرّت به عيني وفرح به صدري وقلبي قال إنّ اللَّه تعالى يقول إنّ عليا أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين ومثل قوله صلى الله عليه وآله نزل عليّ جبرئيل فقال يا محمّد إنّ اللَّه تبارك وتعالى قد زوّج فاطمة عليّا من فوق عرشه وأشهد على ذلك خيار ملائكته فزوّجها منه في الأرض وأشهد على ذلك خيار أمّتك ومثل هذا كثير كلَّه وحي ليس بقرآن ولو كان قرآنا لكان مقرونا به وموصولا إليه غير مفصول عنه كما أنّ أمير المؤمنين عليه السلام جمعه فلمّا جاءهم به قال هذا كتاب ربّكم كما أنزل
على نبيّكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف فقالوا لا حاجة لنا فيه عندنا مثل الذي عندك فانصرف وهو يقول فنبذوه الآية انتهى كلامه قدّس سرّه وقوله قد نزل من الوحي إلى آخره إشارة إلى ما رواه الكليني قدس سره وغيره إنّ القرآن الَّذي جاء به جبرئيل سبع عشرة ألف آية مع أنّ الموجود منه على المعروف ستّة آلاف آية ومائتا آية وستّ وثلاثون آية فحملوا القرآن في هذا الخبر على تمام ما أوحى إليه صلى الله عليه وآله سواء كان ممّا أريد بألفاظه الإعجاز أو لا وقال قدّس اللَّه نفسه الزّكيّة قبل ذلك اعتقادنا أنّ القرآن الَّذي أنزله اللَّه تعالى على نبيّه محمّد صلى الله عليه وآله هو
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 98
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٩٨