أنّه قال إنّي مخلف فيكم الثّقلين إن تمسكتم بهما لن تضلَّوا كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض وهذا يدلّ على أنّه موجود في كلّ عصر لأنّه لا يجوز أن يأمر الأمّة بالتّمسك بما لا يقدر على التمسّك به كما أنّ أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحّته فينبغي أن يتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه ثمّ إنّ لكلّ من الفريقين وجوها من الأخبار وغيرها يطول المقام بذكرها والنّقض والإبرام فيها حتّى أنّ النافين لحدوث التّغيير استدلَّوا له بجملة من الآيات الممنوع دلالتها على المدّعى في وجه والأخبار الدّالة بظواهرها على حدوث التغيير وإن كانت كثيرة إلَّا أنّ أكثرها إلَّا ما شذّ ضعيفة السّند ويمكن دعوى تواترها فلا يقدح ضعف السّند فيها لكن الإنصاف عدم نصوصيّتها فيما ذكره الأخباريّون وقوّة احتمال إرادة ما عرفته من وجوه المعاني فيها وفي جملة من الأخبار إشارة وتلويح بل دلالة عليه عند التّأمل ويحتمل قريبا حملها على تقدير عدم الصّارف لها على وقوع النقص فيما ورد في ولاية الأئمّة عليهم السلام ومسالب أعدائهم فلا تعلَّق لها بآيات الأحكام حتّى يتعب النّظر في تنقيحها والكلام عليها وخبر الواحد في غير الفروع ليس بحجّة حتّى يلزم البحث عنها فلعلَّه إليه أشار الشّيخ قدس سره من أنّها أخبار آحاد لا يوجب علما مع أنّ المسلَّم من مذهبه حجيّة خبر الواحد في الفروع بل على تقدير تسليم وقوع النّقيصة في آيات الأحكام لا يعلم بقدح النّقص فيما بأيدينا من آيات الأحكام من حيث احتمال كون ما نقص مشتملا على حكم مستقلّ لا دخل له بالأحكام المستفادة من ظواهر ما بأيدينا من الآيات هذا وللسيّد الفاضل نعمة اللَّه المحدّث هنا كلام طويل نورد بعضه فإنّه استدلّ على وقوع التّغيير في القرآن المنزل للإعجاز في رسالته المحكيّة المسمّاة بمنبع الحياة بوجوه منها الأخبار المستفيضة بل المتواترة مثل ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام لمّا سئل عن المناسبة بين قوله تعالى وإن خفتم ألَّا تقسطوا في اليتامى ( 1 ) فانكحوا فقال قد سقط بينهما أكثر من ثلث القرآن وما روي عن الصّادق عليه السلام في قوله تعالى كنتم خير أمّة قال كيف تكون هذه الأمّة خير أمّة وقتلوا ابن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ليس هكذا نزلت وإنّما نزلت خير أئمة أي الأئمة من أهل البيت عليهم السلام ومنها الأخبار المستفيضة في أنّ آية الغدير هكذا نزلت يا أيّها الرّسول بلَّغ ما أنزل إليك في عليّ وإن لم تفعل فما بلَّغت رسالته إلى غير ذلك ممّا لو جمع لصار كتابا كثير الحجم ومنها أنّ القرآن كان نزل منجّما على حسب المصالح والوقائع وكتّاب الوحي كانوا أربعة عشر رجلا من الصّحابة وكان رئيسهم أمير المؤمنين عليه السلام وقد كانوا في الأغلب ما يكتبون إلَّا ما يتعلَّق بالأحكام وما يوحى إليه في المحافل والمجامع وأمّا الَّذي كان يكتب ما ينزل في خلواته ومنازله فليس هو إلَّا أمير المؤمنين عليه السلام لأنّه كان يدور معه كيفما دار فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف فلمّا مضى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله إلى لقاء حبيبه وتفرّقت الأهواء بعده جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن كما أنزل وشدّ بردائه وأتى به إلى المسجد فقال لهم هذا كتاب ربّكم كما أنزل فقال لعنه اللَّه ليس لنا فيه حاجة هذا عندنا مصحف عثمان فقال عليه السلام لن تروه ولن يراه أحد حتّى يظهر القائم عليه السلام إلى أن قال بعد جملة كلام له وهذا القرآن كان عند الأئمّة عليهم السلام يتلونه في خلواتهم وربما اطَّلعوا عليه بعض خواصّهم كما رواه ثقة الإسلام الكليني عطَّر اللَّه مرقده بإسناده إلى سالم بن سلمة قال قرأ رجل على أبي عبد اللَّه عليه السلام وأنا أسمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها النّاس فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام مه كف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرؤها النّاس حتّى يقوم القائم عليه السلام فإذا قام قرأ كتاب اللَّه على حدّه وأرج المصحف الَّذي كتبه علي عليه السلام وقد يوجّه هذا الحديث الشّريف وأمثاله ممّا دلّ على ثبوت شيء آخر نقص من هذا القرآن الَّذي في أيدينا بأنّ المراد إمّا نقص المعنى وتغييره إلى ما ليس مراده تعالى أو نقص ما فسّروا به يعني أنّهم كتبوا في مصاحفهم تفسير الآيات وكان أصحابهم يتلفّظون بها فمنعوهم عن ذلك أو أنّ أصحابهم كانوا يفسّرون الآيات بما سمعوا من أئمتهم لم يكن إظهاره صلاحا لوقتهم فأمروهم بالكف عن ذلك حتّى يظهر القائم لا أنّه كان شيء في القرآن داخلا فأخرجوه وهو بعيد ثمّ قال وهذا الحديث وما بمعناه قد أظهر العذر في تلاوتنا من هذا المصحف والعمل بأحكامه انتهى ما أردنا نقله من كلامه وقد عرفت أنّ المسألة بعد التّسالم على العمل حسبما عرفت مرارا كونه من ضروريّات دلالة الأخبار المتواترة حتّى المانعة من التّغيير معلَّلة بأنّ علم الكتاب عند الأئمّة عليهم السلام وأنّه ما ورثه اللَّه غيرهم حرفا الصّريحة في أنّ العلم بباطنه الَّذي هو من توريث اللَّه تعالى لا العلم بظواهره الواضحة عند كل أحد مختصّ بالأئمّة عليهم السلام حيث إنّه لم يذكَّر في خبر لها تعليل المنع بحدوث النّقص إذ النّقص في القرآن ليست مسألة عمليّة يبحث عنها وإنّما هي مسألة علميّة لا يترتب عليها فائدة أصلا وقد أغرب بعض الأصحاب واحتمل أو استظهر سوق ما دلّ على حجيّة الكتاب قولا وفعلا وتقريرا على التّقيّة وهو كما ترى لا يحتمله الأخبار يقينا حتّى المانعة من التّفسير الواردة في ردّ المخالفين ومثله في الضّعف ما تحمله بعض آخر فاحتمل حمل الأخبار الصّريحة في حجيّة الكتاب على حجيّته في مرحلة الظَّاهر بمعنى كون التكليف الظَّاهري العمل بالكتاب حتّى يظهر القائم عليه السلام وهو أيضا كما ترى مع أنّه لا
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 100
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٠٠
هامش
( 1 ) وبين قوله تعالى .