قدّس سرّهما في روض الجنان بعد جملة كلام له في إثبات التّواتر بقوله مع أنّ بعض محقّقي القراء من المتأخّرين أفرد كتابا في أسماء الرّجال الَّذين نقلوها في كلّ طبقة وهم يزيدون عمّا يعتبر في التّواتر فيجوز القراءة بها إن شاء اللَّه تعالى انتهى إلَّا أنّ الغرض من إيراده التّنبيه على اختياره الوجه الأوّل في ظاهر كلامه
والذي يقتضيه الإنصاف عدم حصول الجزم بتواتر القراءات السّبعة فضلا عن العشرة فضلا عن غيرهم عن النّبي صلى الله عليه وآله وإنّما المسلَّم حصول التّواتر في الجملة فإنّ ما ذكره السيّد المتقدّم ذكره من الموهنات ممّا ذكرناه ولم نذكره وإن لم يكن موهنا عند التّأمّل فإنّ اختيار النّبي صلى الله عليه وآله والأوصياء بعض القراءات في مقام القراءة من جهة أولويّتها لا ينتفي سائر القراءات إلا أنّه لا دليل هناك على تواترها فإنّ أقوى ما يتمسّك به بعد دعوى الإجماع في كلام بعض المعتضدة بالشّهرة بين المتأخّرين على تواتر السّبعة ما روي بطرق متعدّدة من أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف فإنّه بعد الغضّ عن سنده وإن كان مشهورا بل ادّعى بعض العامّة تواتره لا ظهور له في المدّعى فإنّهم اختلفوا في معناه على ما يقرب من أربعين قولا قال ابن الأثير في محكي نهايته في الحديث نزل القرآن على سبعة أحرف كلَّها كاف شاف أراد بالحرف اللَّغة يعني على سبع لغات العرب أي أنّها متفرّقة في القرآن فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة يمن وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه على أنّه قد جاء في القرآن ما قرئ بسبعة وعشرة كقوله تعالى مالك يوم الدّين وعبد الطَّاغوت وما يبيّن ذلك قول ابن مسعود إنّي قد سمعت القراءة فوجدتهم متقاربين فاقرؤا كما علمتم إنّما هو كقول أحدكم هلمّ وتعال وأقبل وفيه أقوال غير ذلك وهذه أحسنها انتهى المحكيّ عنه ومثله ما عن القاموس هذا مع أنّ الكليني روى في الحسن كالصّحيح عن الفضيل بن يسار قال قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام إنّ النّاس يقولون إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف فقال عليه السلام كذبوا أعداء اللَّه ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد وهو وإن كان بظاهره معارضا لما رواه في الخصال عن الصّادق عليه السلام أنّ الأحاديث يختلف عنكم قال فقال إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف
وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه إلَّا أنّه قد يجمع بينهما بحمل الأحرف في رواية الكليني على القراءات وفي رواية الخصال على البطون واللغات أو نحوهما ويؤيّد هذا الجمع جملة من الرّوايات الواردة في باب بطون القرآن واشتماله على سبعة أبطن مثل ما رواه عنه صلى الله عليه وآله أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف لكلّ آية منها ظهر وبطن ولكلّ حرف مصدر ومطلع وفي رواية أخرى أنّ للقرآن ظهرا وبطنا ولبطنه بطنا إلى سبعة أبطن وإن كان ربما يستشهد لإرادة القراءات بما رواه عيسى بن عبد اللَّه الهاشمي كما في محكيّ الخصال عن أبيه عن آبائه قال قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله أتاني آت من اللَّه فقال إنّ اللَّه يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت يا ربّ وسّع على أمّتي فقال إنّ اللَّه يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف إلَّا أنّه مع ضعف السّند غير واضح الدّلالة على المراد هذا
ثمّ لا يخفى عليك أنّ البحث في المسألة لا دخل له بالبحث في مسألة وقوع التحريف والتّغيير بالزّيادة والنّقص في القرآن
نعم ؛ ادّعاء تواتر جميع ما في الدّفتين ينافي وقوع الزيادة إلَّا أنّ ظاهرهم الاتّفاق على عدمه وإن كان المحكيّ عن بعض الأخباريّين كما سيجيء وقوعها فما في كلام بعض الأعلام من جعل النّزاع في وقوع التّحريف والتّغيير موهنا للاتّفاق على التّواتر لا بدّ من أن يحمل على ذلك وإلَّا كان منظورا فيه
الثّالث : أنّ المستفاد من صريح كلام شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره وغير واحد وظاهر آخرين انعقاد الإجماع على جواز القراءة بالقراءات المختلفة وإن لم نقل بتواترها ولكن المستفاد من كلام ثاني الشّهيدين رحمه الله وبعض آخر ابتناء المسألة على ثبوت التّواتر فإنّهما قد فرّعا على ثبوت التّواتر جواز القراءة وهو كما ترى ظاهر فيما استظهرناه من الابتناء كما لا يخفى وإن كان ضعيفا ومن هنا لم يقع الاستدلال في كلام القائلين بالتّواتر بما ورد مستفيضا من الأمر بالقراءة كما يقرأ النّاس على ما ستقف عليه في مسألة التحريف
ثمّ إنّ جواز القراءة هل يلازم البناء على تواتر كلّ ما يجوز قراءته من القراءات المختلفة ظاهرا بمعنى إلحاقها بالمتواتر حكما فيبنى على قرآنيّة كلّ واحدة من القراءات فيكون حجّة فعليّة مستقلَّة ولو عند التّعارض والاختلاف في المعنى مثل الآيات المتواترة المتعارضة أو لا يلازمه وعلى الثّاني هل قام دليل على البناء على ذلك من الخارج أم لا وعلى تقدير عدم الملازمة وعدم قيام الدّليل على البناء من الخارج هل يكون المنقول بأخبار الآحاد في المقام كالمنقول بأخبار الآحاد في الأحكام في الحكم بحجيّته إذا جامع شرائطها من حيث الشّأن فيمكن إلحاق المتعارضين منها بالمتعارضين من الأخبار في الأحكام أو لا يكون كالمنقول بأخبار الآحاد في الأحكام بمعنى عدم قيام دليل في المقام على حجيّة خبر الواحد فهي بمنزلة آية محكيّة بخبر الواحد الظَّاهر عدم التّلازم بين جواز القراءة والبناء على القرآنية بالنّسبة إلى سائر الآثار والأحكام كما هو ظاهر ما ورد في جواز القراءة عند التّأمّل كما أنّ الظاهر عدم قيام دليل من الخارج على ذلك
وأمّا الحكم بحجيّة المنقول بالآحاد من القراءات المختلفة كالآية المستقلَّة المنقولة بخبر الواحد فلا يبعد
على تقدير عموم فيما دلّ على حجيّته كما ستقف على حقيقة القول فيه في محلَّه
ثمّ إنّ لحوق حكم المتعارضين من الأخبار في الأحكام للمتعارضين
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 95
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٩٥