تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦

الحرمة التّشريعيّة على الفرض الَّذي ذكره دام ظلَّه في كلّ من صورتي انسداد باب العلم في المسألة وانفتاحه في غاية الإشكال لأنّ لازم الانسداد في مسألة مع عدم شمول دليل الأصل لما يكون الظَّن قائما على خلافه ليس هو التّديّن بمقتضى الظَّن تعيينا أو تخييرا بينه وبين الأخذ بالأصل على أبعد الوجهين بل التوقف في مقام الظَّاهر وعدم الحكم بشيء لا بمقتضى الأصل ولا بمقتضى الظَّن على خلافه والرّجوع إلى التّخيير العقلي في مقام العمل من حيث إنّه لا مندوحة للمكلَّف من الفعل والتّرك لا بمعنى أنّه ينشئ العقل للمكلَّف حكما وهو التّخيير ولم يقم دليل على عدم جواز خلوّ الواقعة عن الحكم الظَّاهري إذا لم يحتج إليه نعم ؛ لو كان محتاجا إليه كما إذا كان التكليف تعبّديا لم يكن مناص عن البناء على الحكم الظَّاهري وبالجملة الذي قام عليه الدّليل ونطق به السّنة والإجماع عدم جواز خلوّ الواقعة عن الحكم الواقعي وأمّا عدم جواز خلوّها عن الحكم الظَّاهري إذا لم يتوقف العمل عليه فلم يقم به دليل أصلا كما اعترف به دام ظلَّه في الجزء الثّاني من الكتاب وغيره من أفاضل المتأخّرين وإن كان المراد من الانسداد هو الانسداد الغالبي الَّذي جعله المتأخّرون دليلا على حجيّة مطلق الظَّن ففيه مع أنّه مخالف لظاهر كلام الأستاذ العلَّامة جدّا أنّ سقوط الأصول من الاعتبار على هذا التّقدير ليس من جهة قيام الظَّن على خلافها بل من جهة العلم الإجمالي فتأمّل مضافا إلى أنّ إنتاج مقدّمات برهان الانسداد لحجيّة الظَّن ليس مسلَّما عند الأستاذ العلَّامة والقول بكون ما ذكره مبنيّا على مذاق القوم كما ترى هذا بالنّسبة إلى فرض الانسداد وأمّا ما ذكره دام ظلَّه على تقدير التّمكن من تحصيل العلم في المسألة ففيه أنّ حكم العقل بوجوب العمل بالظَّن على هذا التّقدير إنّما هو من جهة حكمه بوجوب دفع الضّرر المظنون دون الموهوم ومن المعلوم أنّ حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون إنّما هو من باب مجرّد الاحتياط والإرشاد ولا يحكم بحجيّة الظَّن وجواز التّديّن به قطعا هذا كلَّه مضافا إلى أنّ عدم اعتبار الأصول في الفرض إنّما هو من جهة التمكَّن من تحصيل العلم لا من جهة قيام الظَّن على الخلاف فلا معنى لابتناء منع اعتبارها على هذا القول فتأمّل هذا وقد يورد على ما أفاده دام ظلَّه أيضا بأنّ حكم العقل بوجوب تحصيل العلم من جهة عدم استقلاله بوجوب دفع الضّرر الموهوم لا يوجب الحكم بجواز الأخذ بالظَّن مع وجود الأدلَّة النّقلية الدّالة على وجوب تحصيل العلم هذا ولكنّك خبير بفساد هذا الإيراد لأنّ ما ذكره دام ظلَّه ليس مبنيّا على ما اختاره في أصل المسألة بل مبنيّ على مذاق الفاضل القمّي الذّاهب إلى أنّه لا دليل على وجوب تحصيل العلم في الصّدر الأوّل أيضا الحامل لما دلّ على النّهي عن اتباع الظَّن على الظَّن في الأصول ولذا بنى على أصالة حجيّة الظَّن هذا كلَّه مضافا إلى أنّ الكلام في قضيّة الأصل الأوّلي مع قطع النّظر عن الدّليل الوارد حتّى ما يقتضي وجوب تحصيل العلم مع التّمكن فتأمّل ( 1 ) فالحريّ أن يحرّر المقام مع الغضّ عمّا ذكرنا بقوله ثمّ إنّ ما ذكرنا من الحرمة إلى آخره مع العطف على ذلك بقولنا وقلنا بوجوب دفع الضّرر المحتمل ثم العطف على قوله وأمّا إذا قلنا إلى آخره قولنا ولم نقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل فلقائل هذا ولكن في نسختي الموجودة عندي المصحّحة في مجلس الدّرس إسقاط كلمة أمّا من قوله أمّا مع عدم تيسّر العلم إلى آخره وكلمة فلأنّ من قوله أمّا مع التمكَّن من العلم في المسألة فلأنّ عدم جواز إلى آخره وإلحاق كلمة فاء بكلمة عدم جواز وعلى هذه النّسخة تكون الجملة مستقلَّة مستأنفة لا يتوجّه عليها الإشكال المتقدّم كما لا يخفى قوله قدس سره : وقد أطالوا الكلام في النّقض والإبرام إلخ أقول : مثل أنّها واردة في أصول الدّين وأنّ مرجع التمسّك بها إلى التمسّك بالظَّن وأنّها قاتلة لأنفسها إلى غير ذلك من أراد الوقوف عليها فليراجع القوانين وإن كان الجواب عن الإشكالات المذكورة وغيرها واضحا عند من كان من أهل النّظر فإنّ ورود بعضها في الأصول مع عموم الباقي غير مانع مع أنّ فيما ورد في الأصول دلالة واضحة على أنّ وجه المنع عن الظَّن في الأصول عنوان الظَّن من حيث كونه ظنّا من غير مدخليّة للمورد فتدبّر كما أنّ ظنّيتها بحسب الدّلالة مع الاتّفاق على اعتبار الظَّواهر لا يمنع من التمسّك بها كما هو واضح كوضوح عدم شمولها لأنفسها هذا مضافا إلى قطعيّتها من حيث اعتضاد بعضها ببعض قوله قدس سره : فيكفي في ذلك الأدلة الواقعيّة أقول : قد يناقش فيما أفاده قدّس سرّه بأنّ المانع من الاقتصار بالظَّن وسلوكه مع التّمكن من تحصيل العلم بالواقع هو ما قضى بوجوب تحصيل العلم من الأدلَّة الشّرعيّة أو حكم العقل بلزومه إرشادا من جهة استقلاله في الحكم بلزوم دفع الضّرر المحتمل الأخروي فيما كان الحكم المحتمل إلزاميّا وأين هذا من دلالة الأدلَّة المثبتة للأحكام الواقعيّة في موضوعاتها بل قد يقال بامتناع دلالتها على ذلك اللَّهمّ إلَّا أن يكون المراد من كفايتها دخلها في ذلك من حيث إنّها توجب حدوث موضوع حكم العقل فتأمّل قوله قدس سره : والظَّاهر أنّ مضمون الآيات إلخ أقول : قد يناقش بأنّ ما أفاده طيّب اللَّه رمسه الشّريف مناف لما أفاده بقوله وقد أشير في الكتاب والسّنة إلى الجهتين كما لا يخفى اللَّهمّ إلَّا أن يكون المراد من الإشارة ما يجامع الدلالة على خلافه فتأمّل هذا قوله منها الأمارات المعمولة في استنباط إلى آخره أقول : لا يخفى عليك أنّ ظاهر هذا الكلام وإن كان اختصاص النّزاع في مسألة حجيّة الظَّن في باب الألفاظ بما يعمل منه في استنباط

هامش
( 1 ) الوجه في التأمل إن التمسك بالأدلة النقلية إنما هو لتأسيس الأصل الأولى حسبما عرفت هذا من التمسك بالدليل الوارد منه دام ظله العالي .