تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
إنّا أثبتنا أيضا جهتين للحرمة في العمل بالظَّن سابقا تبعا لشيخنا دام ظلَّه لعدم اختصاص محلّ الكلام في السّابق بما يتمكَّن المكلَّف من تحصيل العلم به وهذا بخلاف ما أفاده دام ظلَّه في المقام فإنّه مفروض الاختصاص بصورة التّمكن من تحصيل العلم اللَّهمّ إلَّا أن يقال في دفع الإشكال إنّ ما ذكره دام ظلَّه مبنيّ على ما ذكره الخصم من فرض الدّوران بين وجوب تحصيل العلم بخصوصه أو التّخيير بينه وبين العمل بالظَّن ويمكن على هذا الفرض القول بجريان الأصول أيضا في صورة التّمكن من تحصيل العلم لأنّ المانع منه الدّليل الدّال على وجوب تحصيل العلم فإذا قلنا بعدم ثبوت هذا الدّليل فلا مانع من الرجوع إلى الأصول أيضا والقول بأنّ منع الدّليل إنّما هو بالنّسبة إلى العمل بالظَّن لا الأصل كما ترى ولكن يمكن أن يقال إنّ فرض الشّك في وجوب تحصيل العلم معيّنا يوجب الشّك في اعتبار الأصول أيضا فلا يكون التمسّك بها للحكم بعدم جواز العمل بالظَّن أولى من التمسّك بقاعدة الاشتغال بل المتعيّن التمسّك بها هذا فكان الأولى أن يذكر الأستاذ العلامة في مقام ما ذكره من الجواب الثّاني أجوبة أخر أحدها : منع الدّوران لا من جهة القول بأنّ المسألة عقليّة ولا يعقل الدّوران في حكم العقل بل إمّا يستقلّ بوجوب تحصيل خصوص العلم تحصيلا للبراءة اليقينيّة أو يستقلّ بالتخيير بينه وبين العمل بالظَّن بناء على ما ربما يتوهّم من أنّ الحكم بوجوب تحصيل البراءة اليقينيّة مبنيّ على القول باستقلال العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل وهو في محلّ المنع بل من جهة استقلاله بحرمة العمل بالظَّن من باب التّشريع على ما عرفت تفصيل القول فيه غير مرّة ولعلَّه لم يذكره الأستاذ العلَّامة من جهة ذكره في الجواب من الوجوه السّابقة عليه فاستغنى عن ذكره في الجواب عن هذا الوجه بذكره ثمّة من جهة معلوميّة الأمر فتدبّر ثانيها : منع الدّوران بملاحظة الأدلَّة النقليّة الدّالة على وجوب تحصيل العلم بالحكم الشّرعي مهما أمكن من الكتاب والسّنة والإجماع ودلالة كلّ منها على ذلك ليست محلَّا للإنكار لأنّها بلغت من الوضوح والظَّهور ظهور الشّمس في وسط السّماء هذا اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّ الكلام في قضيّة الأصل الأوّلي مع قطع النّظر عن الدّليل الوارد فتأمّل ثالثها : أنّه على فرض تسليم الدّوران لا معنى لابتناء حكم المسألة على القولين في مسألة دوران الأمر في المكلَّف به بين التّعيين والتّخيير لأنّ الحقّ في مسألتنا هذه هو الحكم بالتّعيين وإن قلنا في تلك المسألة بالتّخيير لأنّ مرجع الشّك في المسألة إلى الشّك في طريق الإطاعة والعقل مستقلّ بوجوب الأخذ بالقدر المتيقّن في باب الإطاعة وهذا الوجه وجه مستقلّ لا دخل له بأحد الوجوه المتقدّمة في كلامنا وكلام الأستاذ العلَّامة دامت إفاداته قوله قدس سره : فحينئذ يكون العمل بالظَّن إلخ أقول : ما أفاده واضح لا غبار فيه أصلا ولا يتوهّم أنّ النّهي عن العمل بالظَّن مبنيّ على القول باقتضاء الأمر بالشّيء النّهي عن ضدّه الخاصّ ضرورة أنّ العمل بالظَّن الَّذي لم يثبت اعتباره نقض لليقين بغير اليقين بل بالشّك بالمعنى الأعمّ كما هو واضح قوله قدس سره : فالعمل بالظَّن قد يجتمع فيه جهتان للحرمة إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّ المراد من الأصل ليس الأصل بقول مطلق بل الأصل في الجملة وهو الأصل المثبت للتكليف كاستصحاب التّكليف الإلزامي وأمّا الأصل بقول مطلق فلا يكون تطبيق العمل على الظَّن في مقابله ملازما لطرحه فإنّه إذا ظنّ بالتّكليف الإلزامي في مورد أصالة التّخيير أو أصالة الإباحة لا يكون مجرّد تطبيق العمل عليه طرحا لهما كما لا يخفى قوله وقوله رجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم إلخ أقول : وجه دلالته على الحرمة التّشريعيّة ما عرفت من كون المراد منه القضاء المتعارف الذي يقضي به القاضي مع بنائه على استحقاقه للحكومة الشّرعيّة وأمّا قوله عليه السلام رجل قضى بالحقّ المشير إلى الجهة الثّانية فلأنّ المراد من الحقّ هو الحكم الصّادر من الشّارع سواء كان واقعيّا أو ظاهريّا فالمراد أنّه يجب ترك العمل بالظَّن من حيث كونه في معرض تفويت الحقّ ضرورة أنّ المراد منه ليس مجرّد الأخبار فكأنّه قال يجب ترك العمل بالظَّن لأنّه ليس بحقّ ولا يغني منه وإن كان فيه نوع من الإرشاد ولا ينافي ذلك ما نحن بصدده فتأمّل وأمّا قوله عليه السلام من أفتى النّاس بغير علم وإن كان له ظهور في الحرمة التّشريعيّة أيضا باعتبار لفظ الإفتاء إلَّا أنّه لا بدّ من صرفه عن ظاهره بقرينة قوله كان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه حيث إنّه لا صلاح في العمل بغير العلم بعنوان التّشريع أصلا بل هو فساد محض وقد أثبت أكثريّة الفساد في الرّواية لا كليّته فلا بدّ من أن يحمل على بيان الحرمة من الجهة الثّانية أي طرح الحقّ الواقعي أو الظَّاهري هذا وقد يستشكل في البيان المذكور من جهتين أحدهما : أنّ الإفتاء للناس بغير العلم لا ينفكّ عن التّشريع فتدبّر ثانيهما : أنّ أكثرية الفساد على تقدير حملها على ما إذا عمل بغير العلم من غير استناد إنّما هو على تقدير كون مخالفة الظن للأصل أكثر من موافقته اللَّهمّ إلَّا أن يحمل الأكثرية على الأكثرية بحسب الكيف ولكن حملها عليها ليس بأولى من إبقاء الرّواية على ظاهرها مع القول بوجود نفع في الإفتاء بغير العلم من حيث التّدين إمّا من جهة الدّنيا أو الآخرة فيما إذا اهتدى العوام المقلَّدين من جهة إفتائه إلى الحقّ الواقعي بناء على وجود خاصيّة قهريّة في إهداء النّاس إلى الحقّ فتدبّر قوله وأمّا إذا قلنا باشتراط عدم كون الظَّن على خلافها إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّ الحكم
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 85 | ميرزا محمد حسن الآشتياني