العلم والجهل
وبعبارة أخرى فرق بين المنقوض والمنقوض به لأنّ الطَّهارة ممّا يتّصف بالظَّاهريّة والواقعيّة ويكون لها وجود ظاهريّ ووجود واقعي مترتب على الموضوع الواقعي مع قطع النّظر عن العلم والجهل فلا مانع من إجراء الاستصحاب بالنّسبة إلى الطَّهارة الواقعيّة المترتّبة على الموضوع الواقعي وإن لم يجر بالنّسبة إلى الطَّهارة الظَّاهريّة المترتّبة على الموضوع المشكوك وهذا بخلاف حكم العقل بحرمة العمل بما وراء العلم من باب التّشريع والافتراء فإنّه لا ينقسم إلى القسمين بل يكون واقعيّا بقول مطلق لأنّ حكم العقل بحرمة التشريع لا يعقل له جهة ظاهريّة أصلا فإنّه بعد العلم بورود الدّليل على المشروعيّة والجواز لا يعقل معنى للتّشريع وقبله يكون التشريع المحرّم متحقّقا قطعا حسبما عرفت تفصيل القول فيه وكذلك الكلام بالنّسبة إلى حكم العقل في قاعدة الاشتغال والبراءة بل الأمر في جميع موارد حكم العقل كذلك والوجه فيه أنّ الحكم العقلي لا يتّصف بالظَّاهريّة في مورد من الموارد لأنّ الحكم لا يعقل له جهة اشتباه بالنّسبة إلى نفس الحاكم سواء كان هو العقل أو غيره وإنّما يعرض الحكم في القضايا العقليّة على الموضوعات المعلومة الغير المنفكَّة عن الحكم فإن علم بالموضوع حكم حكما قطعيّا وإن لم يعلم لم يحكم قطعا فإنّ الموضوع في القضايا العقليّة هي العلَّة التّامّة هذا وقد عرفت بعض الكلام فيه في أوّل التّعليقة وستقف على تفصيل القول فيه إن شاء اللَّه تعالى في الجزء الثالث من التّعليقة عند التكلَّم في عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة
ثمّ إنّ هذا الَّذي ذكرنا من التّفصّي عن النّقض بقاعدة الطَّهارة واستصحابها إنّما هو مبني على كون الطَّهارة من الأحكام الشّرعيّة المجعولة أمّا إذا قلنا بأنّها ليست من الأمور المجعولة وإنّما هي من الاعتبارات المنتزعة من الأحكام التكليفيّة أو من الأمور الواقعيّة الَّتي كشف عنها الشّارع على ما هو التّحقيق عندنا من عدم تعلَّق الجعل بغير الأحكام الخمسة التّكليفية حسبما ستقف عليه في باب الاستصحاب فالتّفصّي من النّقض بهما أيضا ظاهر لمن له أدنى دراية لأنّ المستصحب على الأوّل يجعل الحكم الواقعي التّكليفي الَّذي يكون منشأ لانتزاع الطَّهارة وعلى الثّاني الأمر الواقعي الغير المجعول كما في استصحاب جميع الموضوعات الخارجيّة
ثمّ إنّ ما ذكرنا كلَّه بناء على القول باجتماع القاعدة والاستصحاب وجريانهما في مورد واحد وأمّا لو قلنا بعدم جريان القاعدة في مسبوق الطَّهارة بناء على القول باعتبار الاستصحاب من جهة حكومته على القاعدة بناء على ما هو التّحقيق الَّذي ستقف عليه من أنّ كلّ ما يكون حاكما على غيره في صورة تنافي مدلوليهما يكون حاكما عليه في صورة توافق مدلوليهما فالأمر أوضح كما هو واضح
فإن قلت ما ذكرته في التّفصّي من النّقض بقاعدة الطَّهارة واستصحابها يجري في قاعدة الاشتغال واستصحابه حرفا بحرف وإن لم يجر بالنسبة إلى مسألة التشريع لأنّ الطَّهارة كما يكون على قسمين كذلك الاشتغال يكون على قسمين واقعيّ وظاهريّ فلم منعت من عدم جريان استصحاب الاشتغال مقيسا له بأصالة عدم الحجيّة
قلت نمنع من جريان ما ذكرنا في الطَّهارة بالنّسبة إلى الاشتغال لأنّك قد عرفت أنّ حكم العقل بلزوم التخلَّص عن العقاب حكم واقعي غير مأخوذ فيه الشك غاية الأمر أنّه توجد في صورة الشّكّ أحيانا من جهة وجود مناطه فيها لا من جهة كون الشّكّ مأخوذا في موضوعه وبالجملة قد عرفت أنّه لا معنى لتقسيم حكم العقل إلى الظَّاهري والواقعي لأنّه لا يحكم إلَّا على الموضوعات المعلومة والقضايا الأوليّة غاية الأمر وجود موضوع حكمه في بعض صور الشّك أيضا
فإن قلت ما ذكرته في الأصول العقليّة يجري في الأصول الشّرعيّة أيضا طابق النّعل بالنّعل لأنّ حكم الشّارع بالبناء على طهارة ما لم يعلم قذارته حكم واقعيّ لهذا الموضوع يجامع الشّكّ والظَّن بالخلاف في الجملة فلا يكون إذا ظاهريّا
قلت قياس الأصول الشّرعيّة بالأصول العقليّة قياس فاسد لأنّا لا نعني بالحكم الظَّاهري إلَّا ما كان ثابتا لشيء بوصف عدم العلم بالحكم الواقعي المجعول له بحيث كان عدم العلم به مأخوذا في موضوعه وإلَّا فلا ريب في أنّ كلّ حكم بالنّسبة إلى موضوعه حكم أوّلي له ولذا سمّي الحكم الظَّاهري واقعيّا ثانويّا أيضا لكن هذا لا يصير سببا لخروجه عن الحكم الظَّاهري بالمعنى الَّذي جرى عليه اصطلاح أهل الفنّ وهذا بخلاف حكم العقل فإنّه لم يحكم في موضع بشيء من جهة عدم العلم بالحكم الواقعي المجعول للمكلَّف
نعم ؛ قد يكون المناط في حكمه أمر يوجد اتّفاقا في صورة الشّك أيضا ومجرّد هذا لا يوجب عدّ حكم العقل في الحكم الظَّاهري فيقال مثلا أنّ حرمة التّشريع في صورة الشّك بكون شيء من الدّين حرمة ظاهريّة وفي صورة العلم بعدم كونه منه حرمة واقعيّة
فإن قلت لو كان الأمر كما ذكرته فلم أدرجت الاشتغال والبراءة والتّخيير في عداد الأصول الظَّاهريّة المقرّرة لبيان حكم الشّاك في الحكم وسمّيتها أصولا وقسّمت الأصول إلى العقليّة والشّرعيّة
قلت تسميتها أصولا مبنيّة على التّسامح بملاحظة وجود مناط حكم العقل في صورة الشّك فتأمّل أو نقول تسميتها أصولا باعتبار استفادتها من الشّرع أيضا كما ستقف عليها في محالها فتأمّل
فإن قلت ما ذكرته بالنّسبة إلى حكم العقل بوجوب التخلَّص عن العقاب أو قبح العقاب من غير إعلام أمر مسلَّم لا شبهة فيه أصلا لكن المتمسّك باستصحابها لم يرد به استصحاب هذا الحكم العقلي حتّى يتوجّه عليه ما ذكر بل أراد به نفس اشتغال الذّمة وعدم
التكليف الواقعي الَّذي يعبّر عنه بالبراءة الأصليّة الَّتي لا مجال لإنكار وجودها بحسب الواقع مع قطع النّظر عن العلم والجهل ووجودها بحسب
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 83
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٨٣