عن القرينة الصارفة لا يسمى تفسيرا وإن لم يكن جائزا من جهة أخرى ولكنّك خبير بأنّ هذا الجواب لا يتمّ بالنّسبة إلى الأخبار الغير المشتملة على لفظ التّفسير كالرّواية الثانية ومرسلة شبيب بن أنس وغيرهما ممّا لم يذكره الأستاذ العلَّامة من الأخبار الغير المشتملة على لفظ التّفسير ولكن يمكن الجواب عنها إمّا بأنّ قضيّة إمعان النظر فيها هو إرادة معنى ينطبق على التّفسير فإنّه كما يصحّ سلب التّفسير عن العمل بالظَّواهر كذلك يصحّ سلب قوله من قال في القرآن بغير علم الحديث عنه لأنّ الظاهر من القول في القرآن هو كشف المراد عنه بغير ما يفهم به المراد أهل العرف أو بالضّعف سندا كما في بعض أو الإرسال في بعض آخر أو إعراض الأصحاب عنها مع تسليم صحّة سندها فتأمّل
ثانيها : تسليم صدق التّفسير على مطلق حمل اللَّفظ على معناه ولو بما يقتضيه ظاهره العرفي إلَّا أنّ المنهيّ عنه في الأخبار ليس مطلق التّفسير بل التفسير الخاصّ بقرينة وجود لفظ الرأي فيها المقيّد للتّفسير والتّفسير بالرّأي لا يصدق على حمل اللَّفظ على معناه بمقتضى ظاهره بعد الفحص عمّا يوجب صرفه في مظانّ وجوده فإنّ الظَّاهر أنّ المراد بالرّأي إمّا الاعتبار العقلي الرّاجع إلى الاستحسان فيكون المراد من التّفسير بالرأي إذا حمل اللَّفظ على خلاف ظاهره فيما كان له ظاهر أو أحد احتماليه فيما لم يكن له ظاهر بحسب رجحانه في نظره القاصر كما يرشد إلى ذلك ما رواه شيخنا عن مولانا الرّضا عليه السلام بعد ملاحظة كون أكثر الأخبار المتقدّمة أيضا واردة في ردّ المخالفين وأمّا حمل اللَّفظ على ظاهره من دون الرّجوع إلى ما يوجب صرفه سيّما الأخبار الصّادرة عن الأئمّة عليهم السلام على أبعد الاحتمالين بالنّظر إلى قضيّة لفظ الرّأي وإن كان يشهد له ما ذكره شيخنا الأستاذ العلَّامة من الأمور الثّلاثة هذا ولكن التّحقيق أن يقال إنّ المستفاد من الأخبار تحريم أمرين أحدهما تفسير القرآن بالرّأي ثانيهما العمل بظواهره الابتدائيّة من دون تأمّل وفحص عمّا يصرفها من الآيات والأخبار لا أن يكون المحرّم أحدهما ويجعل الثّاني من محتملي ما ورد في باب التّفسير مع كمال بعده كما هو واضح
ثمّ إن الوجه في تخصيص الكتاب بالحكمين المزبورين في الأخبار مع تحريم الأمرين بلا شبهة في السّنة تعارف التّفسير بالرّأي والعمل بالظَّواهر من دون فحص وتأمّل في خصوص الكتاب ؛ فتأمّل
ثمّ إنّ هذا الجواب أيضا لا يتمشّى بالنّسبة إلى جميع الأخبار المانعة لما قد عرفت من عدم اشتمال كلَّها على لفظ التّفسير
فتدبّر بل لا يتمشّى بالنّسبة إلى جميع ما يكون مشتملة عليه أيضا لعدم اشتمالها بأسرها على لفظ الرّأي وليس تعارض أيضا بين ما يكون مشتملا على لفظ الرّأي وبين ما
لا يكون مشتملا عليه حتّى يحمل الثّاني على الأوّل كما لا يخفى ولكن يمكن الجواب عمّا لا يكون مشتملا عليه ببعض ما ذكرنا سابقا في الجواب عمّا لم يكن مشتملا على لفظ التّفسير مع إمكان أن يدّعى القطع باتّحاد المراد من الأخبار بأسرها فتدبّر
ثالثها : النّقض بظواهر السّنة الَّتي اتّفق الأخباريون على حجيّتها بيانه أنّه قد علَّل في جملة من الأخبار المتقدمة المنع من تفسير القرآن بوجود المحكم والمتشابه والخاصّ والعام والنّاسخ والمنسوخ فيه وهذا يدلّ بضميمة ما دلّ على مساواة السّنة للقرآن في الاشتمال على المذكورات على عدم جواز العمل بظواهر السّنة أيضا ؛ فافهم
رابعها : معارضة الأخبار المذكورة بأكثر منها ممّا يدلّ على جواز التمسّك بظواهر القرآن كظواهر السّنة وإن كانت الكثرة غير مجدية لتواتر الأخبار من الطَّرفين فلا يمكن التّرجيح بحسب السّند بل يتعيّن التّرجيح بحسب الدّلالة أو غيرها نعم ربما يكون الأكثريّة موجبة لقوّة الدّلالة ؛ فتدبّر
وهذه الأخبار على أقسام كلّ قسم بلغ حدّ التّواتر
أحدها : ما دلّ على جواز التّمسك بالقرآن من النّبوي المشهور وغيره ولكنّك خبير بأنّ الاستدلال بها لا يجوز بناء على ما سيصرّح به الأستاذ العلَّامة في ردّ تفسير الثّاني من عدم ظهور هذه الأخبار في جواز التّمسك بظواهر القرآن فإنّ المراد منها وجوب التّمسك به في مقابل طرحه ولا إطلاق له لجواز الأخذ بظاهره
وبعبارة أخرى قد وردت هذه الأخبار لبيان وجوب إطاعة العترة الطَّاهرة وكتاب العزيز وحرمة معصيتهما ولم يرد لبيان اعتبار الظَّن في تحصيل المراد منهما وإن كان فيما أفاده تأمّل ستقف عليه إن شاء اللَّه تعالى
ثانيها : ما دلّ على وجوب عرض الأخبار المتعارضة بل ومطلق الأخبار على الكتاب والأخذ بما وافقه وطرح ما خالفه وهذا القسم نصّ في جواز التّمسك بظواهر القرآن فإنّ جملة على صورة موافقة الخبر لنصّ القرآن فاسد جدّا لكونه حملا على فرد نادر إن لم يكن على معدوم فكيف يجامع مع ورود الأخبار المتواترة كفساد حملها على العمل به بعد التّفسير بل هو أفسد فإن شئت قلت إنّ كلّ ما سمّي موافقا للقرآن بحكم العرف فله موضوعيّة بالنّسبة إلى هذه الأخبار ومن المعلوم أنّ صدق الموافقة لا يتوقّف على كون الخبر موافقا بحسب المضمون لنصّ الكتاب بل يشمل ما إذا كان موافقا لظاهره قطعا من دون أن يرد خبر آخر في بيان المراد من الأئمة عليهم السلام
ثالثها : ما دلّ على عرض الشّروط على الكتاب وأنّ ما خالفه فهو فاسد وهذا القسم أيضا مثل سابقه في الدلالة على المدّعى
رابعها : ما دلّ من الأخبار الواردة عن الأئمة عليهم السلام على جواز التمسك بظاهر القرآن قولا وتقريرا وفعلا بمعنى تمسّكهم بظاهر القرآن في مقام الاستدلال وكلّ واحد من هذه الثّلاثة كثير جدّا ودلالته على المدّعى ممّا لا يعتريه ريب جزما
نعم ؛ في بعضها إشكال لا من حيث الدلالة على المدعى بل من حيثيّة
أخرى مثل الرّواية الأولى فإنّ وجود الباء في الآية لا تدلّ على كون المراد التّبعيض فإنّ غاية ما هناك ذهاب الكوفيّين إلى مجيء الباء
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 88
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٨٨