ما ذكرته إنّما يستقيم فيما لو كان عنوان حرمة التعبّد بغير العلم منحصرا في التّشريع لم لا تجعل له عنوانين أحدهما التّشريع بالمعنى الَّذي ذكرته ثانيهما نفس العنوان المذكور في الكتاب والسّنة مثل قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وقوله عليه السلام حقّ اللَّه على العباد أن يقولوا بما يعلمون ويقفوا عندما لا يعلمون إلى غير ذلك من الآيات والأخبار الظَّاهرة في تعلَّق الحرمة الواقعيّة بنفس عنوان عدم العلم فإذا كان التّديّن بما لا يعلم حراما واقعيّا بالنّظر إلى الكتاب والسّنة فلا معنى لإجراء أصالة عدم الحجيّة في مورد الشّك الرّاجع إلى جعل الحكم الظَّاهري فإنّ ما كان حراما واقعيّا لا معنى لجعل الحرمة الظَّاهريّة له
لأنّا نقول ما ذكر توهّم
أمّا أوّلا فلأنّه بعد جعل التّشريع بالمعنى الذي ذكرناه فلا مناص من حمل ما دلّ على حرمة التعبّد بغير العلم من الكتاب والسّنة على إرادة الحرمة الظَّاهريّة على ما يستظهر من قوله عليه السلام حقّ اللَّه على العباد أن يقفوا عندما لا يعلمون كما هو واضح فيمكن أن يكون المراد منه الحرمة المستندة إلى أصالة عدم الحجيّة فيكون دليلا على حجيّتها نظرا إلى عدم المعنى في الحكم الفعلي بالحرمة الظَّاهريّة من جهتين مع كون إحدى الجهتين ملازمة للجهة الأخرى دائما وإنّما يتصوّر ذلك فيما كان هناك انفكاك بينهما في الجملة كما في الحكم بالطَّهارة الظَّاهريّة من جهة نفس الشّك في الطَّهارة الأعم ممّا كان له حالة سابقة وما ليس له حالة سابقة
وأمّا ثانيا فلأنّه لا مانع بعد الغضّ عمّا استظهرنا من إرادة الحرمة الظَّاهريّة المنطبقة على استصحاب عدم الحجيّة من جعل الحرمة الواقعيّة لما كان له حرمة ظاهريّة من جهة عنوان آخر ألا ترى أنّه يحكم بالحرمة الظَّاهريّة من جهة استصحاب النّجاسة فيما كان له حرمة واقعيّة من جهة أخرى كالغصبيّة مثلا
فتأمّل لا يقال إنّ المستصحب في استصحاب عدم الحجيّة ليس ممّا يترتّب عليه الحرمة بلا واسطة فإنّ الموضوع للحرمة التّشريع بمعنى الإدخال الملازم لعدم الحجيّة لأنّا نقول التّعبّد بما ليس بحجّة من مصاديق التّشريع وجزئيّاته وليس ممّا يلازمه وإن هو إلَّا كاستصحاب الإذن للتصرف المأذون فيه مثلا أو استصحاب العدوان في التّصرف العادي
فتدبّر
لا يقال ما ذكرته إنّما يستقيم في التّشريع المحرّم شرعا وأمّا الَّذي يحكم العقل بقبحه فهو الإدخال المعلوم عند العقل فلا يمكن إجراء الاستصحاب فيه
لأنّا نقول مورد الاستصحاب الموضوع للحكم الشّرعي لا العقلي وإن هو إلَّا نظير استصحاب الضّرر فإنّه يترتّب عليه الحكم الشّرعي بالحرمة لا الحكم العقلي بالقبح ولا ينافي ذلك ثبوت التّلازم بين الحكمين حسبما ستقف عليه في الجزء الثّالث من التّعليقة إن شاء اللَّه تعالى هذا بعض الكلام في المقام وعليك بالتّأمّل فيه فإنّي لم أجد الكلام محرّرا فيه كما هو حقّه في كلمات الأعلام
ثمّ إنّ ما ذكرنا ليس مختصّا بالمقام بل يجري في جميع ما كان الأمر فيه كما عرفته فيه كما في موارد جريان أصالة البراءة والاشتغال ونحوهما من الأصول المحقق موضوعها في صورة الشّك يقينا لأنّ حكم العقل بقبح المؤاخذة في باب البراءة مترتّب على نفس عدم وصول البيان إلى المكلَّف وعدم علمه بالتّكلف المتوجّه إليه واقعا وهذا المناط كما لا إشكال في وجوده في صورة العلم بعدم البيان كذلك لا إشكال في وجوده في صورة الشّك وليس حكم العقل في باب البراءة مبنيّا على عدم التّكليف واقعا وكذلك حكم العقل في مورد الاشتغال مبنيّ على وجوب دفع الضّرر اليقيني أو المحتمل
وبعبارة أخرى لزوم التخلَّص عن العقاب على وجه اليقين فإنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة اليقينيّة للأمر المتوجّه من المولى إلى العبد مبنيّ على وجوب التخلَّص عن العقاب لا على وجود الحكم الواقعي ومن المعلوم وجود هذا المناط في صورة الشّك في حصول البراءة عن التّكليف اليقيني فلا معنى إذا لاستصحاب عدم التّكليف الواقعي أو التّكليف الواقعي ومن هنا يعرف النّظر فيما اشتهر بينهم من استصحاب البراءة والاشتغال
نعم ؛ لو كان حكم العقل في البابين مترتّبا على عدم التّكليف واقعا أو وجوده كذلك صحّ ما ذكروه ولكنّه كما ترى لا معنى للقول به
فإن قلت كيف تحكم بأنّ إجراء الاستصحاب في المقام وأشباهه ممّا لا معنى له مع أنّ من المشهورات المسلَّمات الَّتي لا ينكرها أحد استصحاب الطَّهارة في الشّيء المسبوق بها مع أنّ الشبهة المذكورة تجري فيه أيضا فإنّ نفس الشّك في الطَّهارة والنجاسة موضوع لحكم الشّارع بالطَّهارة في قاعدة الطَّهارة فلو صحّ ما ذكر لمنع من إجراء استصحاب الطَّهارة أيضا فليجعل قاعدة البراءة واستصحابها من قبيل قاعدة الطَّهارة واستصحابها فالمتعيّن إذا القول بكون الاستصحاب في المقام وأشباهه ممّا لا يحتاج إليه لا ممّا لا يجري قلت قد عرفت قيام البرهان القطعي على امتناع جريان الاستصحاب في الفرض وأمثاله ولم يكن الأمر فيه من الوضوح بحيث يحتاج إلى البيان والإعادة وأمّا النّقض بقاعدة الطَّهارة واستصحابها ففاسد جدّا لفساد القياس ووضوح الفرق لأنّ المتمسّك باستصحاب الطَّهارة لا يريد به إبقاء الطَّهارة الظَّاهريّة المستفادة من قاعدة الطَّهارة وإنّما يريد إثبات الطَّهارة الواقعيّة في صورة الشّك في بقائها فالمستصحب هي الطَّهارة الواقعيّة
نعم ؛ تصير طهارة ظاهريّة باستصحابها فلم يرد أحد باستصحاب الطَّهارة إثبات الطَّهارة الَّتي كانت ثابتة في موضوع الشّك بمقتضى القاعدة وإنّما المراد إثبات الطَّهارة الَّتي كانت موجودة سابقا ومترتّبة على الموضوع الواقعي مع قطع النّظر
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 82
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٨٢