من أخذ قيد القصد في تعريف التّشريع وهو لا يمكن مع عدم العلم بكون الشّيء من الدّين ولكنّك خبير بأنّ المراد من القصد ليس ما يتراءى منه في بادي النّظر بل المراد منه الإتيان بالفعل على وجه ينسبه إلى الشّارع إمّا بالقصد كما إذا كان معتقدا كما يتحقّق ذلك في بعض الصور أو بالقول كما إذا أفتى النّاس بما يعلم عدم ثبوته من الشّارع أو بالفعل كما إذا أظهر للنّاس أنّه من الشّارع فالتّشريع يتحقّق في صورة العلم بأنّه ليس من الدّين فضلا عن صورة الشّك هذا وبإزاء التوهم المذكور توهّم آخر أضعف منه قد نشأ من بعض الأفاضل وهو أن التّشريع لا يتحقّق إلَّا مع العلم بأنّ الشّيء ليس من الدّين لأنّ مع الاعتقاد لا يتحقّق التشريع سواء كان المكلَّف معذورا فيه أو لا غاية الأمر كونه مستحقا للعقوبة على فعله إذا كان على خلاف الواقع في الأخير ولكنّه ليس من جهة التّشريع وإلَّا لم يعتبر فيه المخالفة للواقع كما هو ظاهر وبالجملة مجرّد التّقصير مع الاعتقاد لا يوجب تحقّق التّشريع وإلَّا كان المجتهد الغير الباذل وسعه مع حصول الاعتقاد له مشرّعا وهو كما ترى هذا ولكنّه محلّ مناقشة أيضا لتحقّق التّشريع بالوجدان في حقّ أكثر العوام المعتقدين المقصّرين فتبيّن ممّا ذكرنا أنّ الحقّ هو تعميم التشريع بالنّسبة إلى الأحوالات الثّلاثة في الجملة وأنّ القولين في طرفي الإفراط والتفريط إذا عرفت ما مهّدنا لك من المقدّمة الشّريفة علمت الوجه فيما ذكرنا في قبال ظاهر كلام الأستاذ العلَّامة في الكتاب من عدم جريان أصالة عدم الحجيّة لأنّ الحرمة ليست من محمولات عدم الحجيّة الواقعيّة حتّى يجري فيه الاستصحاب بل من أحكام التّشريع المتحقّق في صورة الشّك قطعا كما في صورة العلم بعدم الحجيّة بل لا يتفاوت الحال فيما ذكرنا على جميع الأقوال في التشريع كما هو واضح على من له أدنى دراية هذا ولكن قد يقال بجريان أصالة عدم الحجيّة نظرا إلى تعلَّق الحرمة الشّرعيّة الواقعيّة بموضوع التعبّد والتّدين بما لم يجعله الشّارع حجّة وواجب العمل في نفس الأمر لا به بوصف أمر وجداني مقطوع البقاء أو الارتفاع توضيح ذلك أنّك قد عرفت من مطاوي كلمات شيخنا الأستاذ العلَّامة قدّس سرّه وكلماتنا أنّ التشريع الَّذي ليس له ذكر في الكتاب والسّنة وإنّما ذكره الفقهاء في أبواب العبادات والمعاملات بل في الأصول أيضا واتّفقوا على حرمته
ولا يبعد مساواته للبدعة المذكورة في الأخبار في وجه كما يتحقّق فيما لو اعتقد الشّرعيّة في الجملة كذلك يتحقّق فيما لو اعتقد عدم الشّرعيّة غاية ما هناك من الفرق بينهما أنّ التّشريع القصدي يمكن في الأوّل كالقولي والفعلي بخلاف الثّاني فإنّه لا يمكن فيه التّشريع القصدي إلَّا إذا جعل القصد مجرّد التصوّر وإخطار صورة العمل في الذّهن وإن لم يكن معه النيّة والدّاعي أصلا لكنّه لا معنى له ولم يقل به أحد فإذا تحقّق التّشريع في صورتي الاعتقاد فلا يخلو الأمر إمّا من أن يقال باختلاف حقيقة التّشريع وإنّ له حقيقتين إحداهما إدخال ما لم يعلم الثانية إدخال ما علم أنّه من الدّين بالجهل المركَّب الناشئ عن التقصير وإمّا أن يقال بأنّ له حقيقة واحدة لا اختلاف فيها أصلا والأوّل فاسد جدّا بحيث لا يزعمه جاهل فتعين الثّاني ولا جامع بينهما إلَّا الإدخال في الدّين فإذا كان هو الجامع بينهما فلا محالة يجري الأصل عند الشّك في الجعل والحجيّة لا يقال لم لا يجعل الجامع الإدخال مع الاعتقاد سواء تعلَّق بالشّرعيّة أو بعدمها لأنّا نقول جعل الجامع ما ذكر إنّما يستقيم فيما لم نقل بشمول التّشريع لما شكّ في حجيّته كما هو صريح كلام شيخنا العلَّامة قدّس سرّه وإلَّا فلا بدّ من أن يجعل الجامع غيره وليس إلَّا ما ذكرناه
لا يقال جعل الجامع ما ذكرته وإن اقتضى جريان الأصل بالنّسبة إلى المشكوك إلَّا أن لازمه الحكم بالتّسوية في الجاهل المركَّب بين القاصر والمقصّر مع أنّه خلاف قضيّته كلماتهم إذ لم يقل أحد بأنّ المجتهدين المخطئين في الأصول والفروع مشرّعون ومبدعون فيما اجتهدوا وحكموا به وكذا العامي القاصر المخطئ في الاعتقاد أصولا وفروعا
لأنّا نقول أمّا أوّلا فلأنّه لا مضايقة في ذلك غاية الأمر أنّهم معذورون مع القصور ألا ترى أنّا نحكم بأنّ السّابّين لمولانا ومولى العالمين من الجنّة والنّاس والملائكة أجمعين أمير المؤمنين وسيّد الوصيّين صلوات اللَّه عليه وعلى أخيه وزوجته الطاهرة وأولاده المعصومين المظلومين من زمن المعاوية إلى زمن عمر بن عبد العزيز من أهل البدع والتّشريع مع أنّ فيهم من يعتقد كون سبّه من السّنن بل الفرائض مع قصوره في ذلك الاعتقاد الفاسد المخالف لضرورة الكتاب والسّنة والإجماع والعقل كيف وقد ثبت بها أنّ حبّه وولاءه
من الإيمان وأنّ بغضه موبقة مهلكة وإن لم نقل بكونه وصيّا وأمّا ثانيا فلأنّ عدم حكمهم بذلك إنّما هو من جهة ظهور النّسبة في التّعمد والالتفات إلى العنوان ألا ترى أنّ الكذب عند المشهور هو الخبر المخالف للواقع من غير مدخل للاعتقاد فيه أصلا ومع ذلك لا يرتابون في ظهور نسبة الكذب إلى الشّخص في كونه ملتفتا إلى العنوان ولذا يتأثّر من ينسب الكذب إليه بمجرّد النّسبة فتأمل
لا يقال لازم ما ذكرت من التّعميم ثبوت عقابات متعدّدة في صورة الجهل المركَّب مع التّقصير عقاب مخالفة الواقع وعقاب التّشريع والبدعة وعقاب التجري على القول به
لأنّا نقول لا ضير في الالتزام بذلك فإنّه كما يلزمنا ذلك يلزمك أيضا فإنّك تقول بمعصيته مع الجهل المركَّب الناشئ عن التّقصير بل ذلك لازم على كلّ قول فإنّه على تقدير كونه التّدين بما لم يعلم أنّه من الدّين وإن علم كونه ليس منه على مخالفة العمل للواقع في صورة الشّك عقابات متعدّدة وكذا إذا قلنا بأنّه التّدين بما علم أنّه ليس من الدّين أو بما علم أنّه منه مع التّقصير في الاعتقاد كما هو واضح
لا يقال
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 81
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٨١