في أوّل التّعليقة عند الكلام في أحكام العلم فراجع إليه ومثله ما لو تعلَّق الحكم واقعا على المظنون فإنّه لا معنى لاستصحابه عند زوال الظَّن إلَّا فيما أفاد الاستصحاب الظَّن فيعمل به ويحكم ببقاء الحكم واقعا لا من جهة اعتبار الاستصحاب بل من جهة حصول الظَّن منه وإن كان على النّحو الثّالث فلا إشكال أيضا في عدم تعقّل جريان الاستصحاب بالنّسبة إليه للقطع ببقائه عند الشّك
نعم ؛ لو فرض الشّك في بقاء الحكم من جهة النّسخ جرى فيه أصالة عدم النّسخ التي هي من أقسام الاستصحاب عند المشهور وإن لم يكن الأمر كذلك عندنا حسبما ستقف عليه في محلَّه إن شاء اللَّه تعالى كما أنّه لا إشكال في جريان الاستصحاب بهذا المعنى في القسم الثّاني كما إذا شكّ في نسخ الحكم المترتّب على الموضوع المعلوم في الشّريعة ولكن هذا خروج عن محلّ البحث فإنّ الكلام في الشّك في بقاء الحكم من جهة الشّك في بقاء موضوعه وإن كان على النّحو الرّابع فلا إشكال أيضا في عدم جريان الاستصحاب فيه للقطع بوجود ما هو المناط فيه في صورة الشّك كما يقطع بوجوده في صورة العلم فلا يعقل إجراء الاستصحاب في نفس الموضوع الواقعي المجامع لهذا المناط في حالتي العلم به والشّك فيه توضيح ذلك أنّ المقرر في باب الاستصحاب كما ستقف عليه إن شاء اللَّه تعالى وغيره أنّ الموضوع الخارجي ممّا لا يقبل تعلَّق الجعل الشّرعي به لعدم كونه من مقولة الإنشاء والحكم وإن كان مخلوقا للشّارع من حيث كونه خالقا بل مرجع حكم الشّارع ببقائه أو رفعه أو حجيّته ما قام عليه من الأمارات إلى وجوب الالتزام بما يترتّب عليه في الشرعية من الأحكام الَّذي يرجع إلى الجعل الظَّاهري لهذه الأحكام وهذا معنى ظاهريّة الموضوعات وإلَّا فليست من قبيل الأحكام الَّتي لأنفسها وجود ظاهري وإن لم يترتّب عليها أحكام أخر فإذا كان الموضوع ممّا يترتّب عليه الحكم في الشريعة فيمكن حكم الشّارع بالبناء على ثبوته في صورة الشّك من الأعدام والوجودات وإلَّا فلا يعقل تعلَّق الحكم الشّرعي به فإذا فرضنا في الفرض عدم تعلَّق الحكم الشّرعي بالموضوع الَّذي يراد استصحابه لم يمكن إجراء الاستصحاب فيه فالموضوع المشكوك ممّا لم يترتب عليه حكم حتى يمكن استصحابه والذي يترتّب
عليه الحكم لم يشكّ في بقائه
نعم ؛ فيما حكمنا بعدم جريان الاستصحاب فيه لو فرض هناك حكم ومحمول آخر غير ما فرضنا تعلَّقه بالموضوعات بملاحظة العنوانات المسطورة متعلَّق بذات الموضوع لم يكن إشكال في جريان استصحاب الموضوع ليترتب الحكم المفروض عليه فقد يكون لموضوع حكمان بالاعتبارين يجري استصحابه بملاحظة أحدهما عند الشّك في الموضوع دون الآخر كما هو واضح
الثّاني : أنّك قد عرفت في طيّ كلماتنا السّابقة أنّ حرمة العمل بما ليس بطريق وحجّة في حكم الشّارع ليست ذاتيّة بل هي تشريعيّة فلذا حكمنا بإمكان الاحتياط فيه في صورة الشّك في الحجيّة وعدم حرمة العمل به إذا لم يكن العمل على وجه الالتزام إذا لم يكن ثمّة محذور آخر
الثّالث : أنّه اختلفت كلمة الأصحاب في الجملة في موضوع التشريع بعد اتّفاقهم على حرمته بالأدلَّة الأربعة فعن المشهور المنصور عند الأستاذ العلَّامة دام ظله أنّه إدخال ما لم يعلم أنّه من الدّين في الدّين بقصد أنّه من الدّين بمعنى كون عمله على وجه ينسبه إلى صاحب الدّين سواء علم عدم كونه منه أو شكّ فيه والمراد من عدم العلم أعمّ من العلم واقعا وظاهرا أو غير العلم المنتهي إلى العلم فالتشريع عنوان يجامع العلم بالعدم والشّك إذا لم يكن أخذ المكلَّف بأحد الطَّرفين بمقتضى الدليل المعتبر وإلَّا فلا يكون تشريعا قطعا كما عرفت من بيان حده
نعم ؛ لو أتى المكلَّف في صورة الشّك في هذا الفرض بأحد الطَّرفين الذي قام الدليل عليه بعنوان كونه الواقع الأوّلي كان تشريعا أيضا كما هو ظاهر هذا ويظهر من غير واحد أنّ التشريع لا يجامع العلم بالعدم بل الشّك لعدم تأتي القصد فيهما بل هو عبارة عن إدخال ما علم أنّه من الدّين في الدّين بقصد أنّه من الدّين مع كون العلم حاصلا عن تقصير كما في أكثر علوم العوام على خلاف الواقع قال في الروضة في مسألة استيعاب الرّأس بالمسح نعم يكره الاستيعاب إلَّا إذا اعتقد شرعيّته انتهى وقال المحقّق الخونساري في محكي شرحه عليها إلى وجوبه أو استحبابه فيحرم فعله بهذه النّسبة لحرمة كلّ عبادة لم تكن متلقّاة من الشّارع أو يحرم ذلك الاعتقاد ثمّ تأمّل في الوجهين بما يطول المقام بذكره من أراد الوقوف عليه فليراجعه وقال بعض أفاضل من قارب عصرنا
في جملة كلام له يطعن فيه على ظاهر كلمات القوم وبالجملة الفعل الَّذي لم يدلّ دليل فاعله على شرعيّته إمّا يفعله من غير اعتقاد شرعيّته فلا دليل على حرمته ولو تصوّر أو خطر بباله الشّرعيّة أو يفعله باعتقادها ولا يمكن أن يكون ذلك إلَّا بدليل انتهى كلامه وقال بعد جملة كلام له ساقه في حكم المقام والتّحقيق أنّ كلّ فعل لم يثبت من الشّارع لا يمكن الإتيان به باعتقاد أنّه من الشّارع ولكن يمكن فعله براءة أنّه من الشّارع أو جعله شرعا للغير وهو تشريع وإدخال في الدّين وإن لم يعتقده المشرّع وهذا هو البدعة ولذا يطلق البدعة على ما ابتدعه خلفاء الجور كالأذان الثّالث في يوم الجمعة وغسل الرّجلين وتثليث غسل الوجه في الوضوء وصلاة الضّحى والجماعة في النّوافل ونحو ذلك مع أنّهم ما كانوا يعتقدون ثبوته من الشارع وإنّما أدخلوه في الدّين إدخالا بل وإن اعتقدوها أيضا انتهى كلامه رفع اللَّه في الخلد مقامه فتلخّص من جميع ذلك أنّ المستفاد من كلام هؤلاء عدم تحقق التّشريع إلَّا مع الاعتقاد بأنّه من الدّين اعتقادا لا يعذر فيه المعتقد سواء كان عاميّا أو مجتهدا وهو كما ترى لأنّ هذا الوهم نشأ
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 80
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٨٠