ظلَّه في آخر الجزء الثّاني من الكتاب في بيان حكم الجاهل فلا معنى للقول باستحقاق العقاب على نفس مخالفة الأصل والدّليل مع عدم القول بحرمة التّجري الَّذي هو عنوان مستقلّ
نعم ؛ لا إشكال في استحقاقه العقوبة على مخالفة الواقع الأوّلي الذي فرض ثبوت الطريق إليه زائدا على عقاب التّشريع حتّى فيما لم يكن الدّليل المعتبر أيضا موافقا له كما هو واضح لوجود البيان المصحح للعقاب على مخالفة الواقع
وهاهنا قول بالتفصيل بين الأمارات والأصول المعتبرة ليس ببعيد وهو أنّه إن كان اعتبار الأمارة من باب مجرّد الكاشفيّة والأقربيّة إلى الواقع كما هو حال الظَّن الذي يستقلّ العقل بحجيّته في زمان الانسداد فلا يترتّب على مخالفته من حيث هي عقوبة لرجوع الأمر بالعمل به حينئذ إلى مجرّد الإرشاد كما هو ظاهر وإن كان اعتبارها لا من الجهة المذكورة بل من جهة وجود المصلحة في سلوكها أو كان من الأصول الَّتي يكون عريّة عن جهة الطَّريقيّة فيترتّب استحقاق العقاب على مخالفته لأنّ مخالفة أمر الشّارع وحكمه الإلزامي إذا لم يكن مبنيّا على الإرشاد تورث استحقاق العقوبة أيّا ما كان واقعيّا كان أو ظاهريّا
فتأمّل ولعلَّك تقف على زيادة بيان لهذا في طيّ كلماتنا الآتية إن شاء اللَّه تعالى
قوله في تسمية هذا عملا إلى آخره
أقول : لا يخفى عليك وجه التّسامح في الإطلاق المذكور وكونه مبنيّا على التّوسعة فإنّ الظَّاهر من العمل بالظَّن هو الاستناد إليه والتّدين به لا مجرّد العمل المطابق له وإن لم يكن عن استناد إليه وهو المراد من جميع ما ورد في باب العمل بغير العلم والظَّن إثباتا ونفيا حتّى ما ورد في باب القياس والعقول الظَّنيّة وما ورد في باب التّقليد أصولا وفروعا جوازا ومنعا وهكذا ما ورد في حكم سائر الأمارات والأصول في الأحكام والموضوعات كما هو واضح
قوله وفيه أنّ الأصل وإن كان ذلك إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه ربما يستظهر من هذا الكلام تسليم الأستاذ العلَّامة جريان أصالة العدم هنا وكونها ممّا يستغنى عنه لكفاية مجرّد الشّك في الحجيّة في الحكم بعدمها من غير افتقار إلى إحراز عدمها بأصالة العدم ولكن التّحقيق خلاف ذلك فإنّ الأصل لا يجري في المقام وأمثاله ممّا كان الحكم فيه مترتّبا على نفس الشّك أو عنوان صادق عليه ولو في الجملة كما لا يجري فيما كان الحكم مترتّبا في الشّرع على المعلوم أو المظنون أو عنوان صادق عليهما كما سمعنا منه دام ظلَّه غير مرّة في مجلس البحث وغيره وقد اعترف بأنّ العبارة في المقام يحتاج إلى زيادة توضيح
وتحقيق القول في المقام وتوضيحه بحيث يرفع الغبار عن وجه المرام يتوقّف على تمهيد مقدّمة دقيقة شريفة عامّة النّفع وهي مشتملة على أمور
الأوّل : أنّ تعلَّق الحكم بالموضوع بحسب جعل الجاعل لا يخلو عن أنحاء أربعة فإنّه إمّا أن يترتّب على وجود الشّيء أو عدمه الواقعيين من غير مدخليّة العلم والجهل في تعلَّق الحكم بها كما هو الشّأن في أكثر الأحكام الشّرعيّة وقد يترتّب الحكم على شيء بوصف العلم به بمعنى كونه جزءا للموضوع واقعا لا في ظاهر الدليل مع انكشاف خلافه ويلحق به الحكم المترتّب على نفس صفة العلم ومثله الحكم المترتّب على المظنون بالمعنى الَّذي عرفته وقد يترتب الحكم على شيء بوصف الجهل به بمعنى كونه جزءا للموضوع وقد يترتّب على عنوان صادق في صورة العلم بشيء والشّك فيه بمعنى كون وجوده منطبقا على العلم بهذا الشّيء والشّك فيه في الجملة فإن كان تعلَّقه على النّحو الأوّل فلا إشكال في عدم جواز الحكم بثبوته إلَّا بعد إحراز موضوعه ولو بالأصل وإن كان معنى جريانه في الموضوع هو الالتزام بحكمه لأنّه بعد فرض كون الحكم من محمولات نفس الواقع لا يكون معنى لإثباته من دون إحراز موضوعه ولو بالطريق الظَّاهري على ما هو الشّأن بالنّسبة إلى جميع المحمولات بالنّسبة إلى موضوعاتها فالالتزام بأحكام الحياة الواقعيّة مثلا ممّا لا معنى له بعد فرض عدم إحراز الحياة ولو بالطَّريق الظَّاهري
نعم ؛ هنا شبهة قد أصعبت حلَّها على كثير بل لم أقف على من حلَّها وهي أنّ الحكم المترتّب على الموضوع الواقعي إن أريد إثباته بالاستصحاب فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب فيه مع الشّك في موضوعه لعدم تحقق الاستصحاب موضوعا مع الشك في بقاء الموضوع وأمّا أصل الحكم بثبوت حكم شيء في الظَّاهر مع الشّك فيه فممّا لم يقم برهان على استحالته بل الأمر في كثير من القواعد الشّرعيّة كأصالة الطَّهارة والحليّة ونحوهما مبنيّ على ذلك ولكن كان الأستاذ العلَّامة في سالف الزّمان على ما هو ببالي ملتزما بالتّصرف في القضايا الواردة في الشّريعة الظَّاهرة في جعل الحكم مع الشّك في الموضوع بأنّ المراد منها هو البناء على تحقّق موضوع الحكم في الظَّاهر فمرجع حكم الشّارع بالطهارة والحلَّية في الشّبهات الموضوعيّة إلى وجوب البناء على كون المشتبه هو الموضوع المحلَّل أو الطَّاهر فهو جعل للحكم بلسان وجود الموضوع جعلا التزاميّا كما هو الشّأن في استصحاب الموضوع أيضا ومن هنا استظهر قدس سره ممّا ورد في باب الصّيد والذّباحة من الأخبار الدالة على حرمة الحيوان فيما شكّ في تحقق تذكيته الإرجاع إلى أصالة عدم التّذكية في قبال من زعم أنّ أصالة الحرمة في الحيوان واللَّحوم أصل برأسه ولكن التّحقيق عدم خلوّ ما أفاده عن النّظر ولعلَّنا نتكلَّم فيه في الجزء الثّالث من التعليقة إن شاء اللَّه تعالى وكيف كان لا إشكال بل لا خلاف في عدم تعقّل ذلك في الاستصحاب وإن كان على النحو الثّاني فلا إشكال في عدم جريان الاستصحاب في صورة الشك للعلم بارتفاع الموضوع يقينا فلا مجال لتحقّق الاستصحاب موضوعا
نعم ؛ هاهنا كلام في جريان الاستصحاب في ما كان أخذ العلم في الموضوع بلحاظ الطريقيّة قد مضى الكلام
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 79
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٧٩