تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
كما ربما نشاهد في حقّ العوام الذين يهديهم العالمون إلى سواء الطريق ومع ذلك يسلكون ما اعتقدوه بالتّقليد من آبائهم وأستاذهم غير معتنين إلى قول العالم الَّذي يرشدهم إلى الحقّ معرضين عنه وهذا أمر واضح لمن شاهد طريقة العوام المتعصّبين بل كثيرا ما يعلم ذلك من نفسه في عالم الجهالة والَّذي يدلّ على إرادة ما ذكرنا قوله عن جهل فإن تكلَّف الجاهل البسيط ليس ناشئا عن جهله ومستندا إليه مضافا إلى أنّ إرادة الجهل البسيط ينطبق على قوله بما لا يعلم بوروده من المولى فلا معنى إذا لقوله ولو كان عن جهل فتعيّن إرادة الجهل المركَّب وإن كانت إرادته من قوله بما لا يعلم غير خالية عن التكلَّف كما لا يخفى وببالي أنّ شيخنا دام ظلَّه العالي يذبّ عن الإيراد المذكور في مجلس البحث بما عرفت قوله نعم قد يتوهّم متوهّم أنّ الاحتياط إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّه قد وقع في هذا الوهم جماعة ممّن لا يحسن التّصريح باسمهم وهو في كمال الضّعف والسّقوط فإنّ الاحتياط رافع لموضوع التّشريع وضدّ له فكيف يمكن أن يصير من أفراده فالعمل بالظَّن إذا كان على وجه الاحتياط لا يعقل أن يكون تشريعا قوله والحاصل أنّ المحرّم هو العمل بغير العلم إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّه أراد دام ظلَّه بذلك الكلام بيان الحرمة الثّابتة لغير العلم ما لم يقم دليل على ورود التعبّد به من الشّارع ردّا على ما ربما توهم من كلام جماعة من كون حرمة العمل بالظَّن ذاتيّة كسائر المحرّمات الذاتيّة فيلزمه عدم تحقّق الاحتياط فيه موضوعا كما هو ظاهر فإنّ العمل بما لم يكن حجّة واقعا إذا كان محرّم العمل من حيث هو كان احتمال عدم الحجيّة موجبا لاحتمال التّحريم الذاتي الرّافع لموضوع الاحتياط بالفعل كما هو ظاهر ونقول توضيحا أنّ العمل بما لم يعلم ورود التعبّد به من الشّارع يقع على أنحاء أحدها : ما إذا كان على وجه التّديّن والاستناد إلى الشّارع سواء كان على خلاف الأصل أو الدّليل الموجود في المسألة ممّا يجب الأخذ به من الشّارع أو موجبا لطرح الواقع الأوّلي احتمالا أوّلا ثانيها : ما إذا كان على وجه الاحتياط واحتمال اعتباره عند الشّارع مع عدم إيجابه لطرح الواقع الأوّلي أو الثّانوي قطعا أو احتمالا ثالثها : ما إذا كان لا على وجه التّدين بمقتضاه ولا على وجه الاحتياط مع عدم إيجابه لطرح أحد الواقعين على أحد الوجهين رابعها : ما إذا كان على أحد الوجهين الأخيرين مع إيجاب الأخذ به طرح أحد الحكمين على أحد الوجهين هذا كلَّه بناء على القول بوجود الاحتياط موضوعا بدون القيد المذكور بناء على كون المراد منه العمل بالشّيء لاحتمال كونه مطلوبا واقعا وأمّا بناء على القول بعدم تحقّقه بدونه موضوعا نظرا إلى كونه ممّا يستقلّ به العقل فيما كان المورد خاليا عن احتمال المضرّة فضلا عن القطع به فلا معنى لرفع الاحتياط في القسم الأخير ثمّ إنّه لمّا لم يقم برهان ودليل عندنا على حرمة العمل بما ليس بحجّة ذاتا حتّى في الظَّنون الَّتي ثبت عدم حجيتها بالدّليل القطعي كالقياس وأشباهه بل كان مقتضى الدّليل خلافه وكان العقل مستقلَّا على سبيل البداهة بقبح التشريع وحرمته فضلا عن تطابق الأدلَّة النّقليّة عليه وكان متحقّقا في صورة الشّك أيضا على ما هو قضيّة التّحقيق تبعا للمحقّقين وإن خالف فيه بعض حسبما ستقف عليه إن شاء اللَّه تعالى كما أنّه يستقلّ بحسن الاحتياط أينما يتحقّق تعيّن الحكم بحرمة العمل بما لم يرد التعبد به من الشّارع ولو بلسان العقل على الوجه الأوّل كما أنّه تعيّن القول برجحان العمل به على الوجه الثّاني وجواز العمل به على الوجه الثّالث وأمّا العمل عليه على الوجه الرّابع فلا إشكال في عدم جواز العمل به سواء كان موجبا لطرح الواقع الأوّلي على سبيل الاحتمال كما إذا عمل به مع التمكن من تحصيل الواقع على سبيل اليقين أو الواقع الثّانوي على سبيل اليقين أو الاحتمال كما إذا عمل بالظَّن المشكوك الاعتبار مع عدم الفحص عن وجود الأصل أو الدليل في المسألة المخالفين للظَّن بحسب المفاد بناء على أنّه لا يجب الاستناد إلى الأصل أو الدّليل في صورة التوافق على ما هو التّحقيق فالعمل بغير العلم قد يكون راجحا وقد يكون مرجوحا من جهة وقد يكون مرجوحا من جهتين وقد يكون متساويا إنّما الكلام والإشكال في أنّه هل يستحقّ العقاب على العمل بالظَّن حينئذ فيما لم يكن عدم جواز العمل به من جهة مجرّد احتمال ترتّب خلاف الواقع عليه فإنّه لا إشكال في أنّ عدم جواز العمل به حينئذ إنّما هو من باب حكم العقل من جهة محض الإرشاد فلا يترتّب على مخالفته عقاب غير ما يترتّب على مخالفة الواقع على تقدير المصادفة فالَّذي يظهر من كلام الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه هو استحقاق العقاب عليه فيما لو كان العمل به على خلاف ما يجب التعبّد به من الشّارع من الأصل العملي أو اللَّفظي أو الدّليل ولكنّه محلّ نظر لو كان المراد منه ما هو ظاهره من ترتّب العقاب على نفس العمل بالظَّن فإنّ الحرمة من هذه الجهة حرمة تبعيّته لا تورث استحقاق العقوبة والمؤاخذة والقول بأنّ العمل بالظَّن عين مخالفة دليل العمل بالأصل أو الدّليل لا أن يكون مستلزما له كما ترى ولكن من المعلوم أنّ المراد منه ليس ما يتراءى منه في بادي النّظر بل المراد استحقاق العقاب من جهة العمل بالظَّن ولو لم يكن على العمل به بل على ترك ما كان مسببّا منه من الأصل أو الدّليل فالمقصود وجود جهة استحقاق العقوبة في العمل بالظَّن في بعض الأحيان من غير جهة التّشريع والتديّن ثمّ إنّ هذا كلَّه مبنيّ على القول باستحقاق العقوبة على مخالفة الحكم الظَّاهري من حيث هو من غير جهة التّجري كما هو ظاهر كلام الأستاذ العلَّامة هنا وفاقا لجمع وأمّا على القول بأنّ استحقاق العقوبة عليها مبنيّ على القول بحرمة التّجري كما هو صريح كلام الأستاذ دام