كون جعل الحكم الموجب له خلاف اللَّطف ففيه أنّ المنفي بأدلَّة نفي الحرج كما سيأتي التّصريح منه عليه في طي مقدّمات الانسداد وجوب تحصيل العلم وأمّا وجوب العمل بالظَّن فلا يستفاد منه بل لا بدّ فيه من الرّجوع إلى العقل لأنّه المرجع في طريق الإطاعة فيستقلّ بحجيّة الظَّن على فرض تماميّة مقدّمات الانسداد فلا دخل للشّرع فيه أصلا وبالجملة حال زمان الانفتاح مع الفرض المذكور حال زمان الانسداد في وجوب الرّجوع إلى العقل لا الشّرع بل المرجع مطلقا في باب طريق الإطاعة العقل لا الشّرع ولو نوقش فيما ذكرنا بأنّ العقل إنّما يحكم في باب الطَّريق فيما إذا لم يحتمل أقربيّة بعض الأمارات عند الشّارع وإلَّا فيتوقّف عن الحكم يجاب عنه بعد الغضّ عن عدم اعتناء العقل باحتمال الأقربيّة عند الشّارع لبعض الأمارات الموجبة لاختصاصها بالجعل الشّرعي كما ستقف عليه إن شاء اللَّه بأنّ المناقشة المذكورة واردة بالنّسبة إلى زمان الانسداد أيضا والحاصل أنّا كلَّما نتأمّل لا نعقل فرقا على التّقدير المفروض بين زماني حضور الإمام عليه السلام وغيبته
قوله دلّ على أنّ ما ليس بإذن من اللَّه تعالى إلى آخره
أقول : قد يورد على ما أفاده بأنّ الآية إنّما تدلّ على أنّ ما ليس بإذن من اللَّه تعالى واقعا فهو افتراء لا أنّ ما لم يعلم الإذن فيه من اللَّه تعالى مع احتمال الإذن فهو افتراء والمدّعى إنّما هو الثّاني والَّذي يدلّ عليه الآية هو الأوّل وعدم التّعرض لحكم الفرض في الآية إنّما هو من جهة ثبوت عدم الإذن الواقعي لهم فلا تدلّ على كونه داخلا في الافتراء اللَّهمّ إلَّا أن يقال إنّ المستفاد من قوله تعالى لكم هو العلم بصدور الإذن وبلوغه إلى المخاطبين لا مجرّد الإذن الواقعي وإلَّا تحقّق هناك واسطة بين الأمرين
فتأمّل هذا ودعوى أنّ الافتراء هو الكذب عن عمد فلا يتحقّق إلَّا مع العلم بعدم الإذن ولا يكتفي عدم العلم بالإذن فاسدة فإنّ المراد منه بقرينة المقابلة في المقام هو المعنى الثّاني
فتأمّل هذا كلَّه مضافا إلى ما يقال من أنّ نسبة شيء إلى الغير بحسب القول مع الشّك في ثبوته قبيح وحرام كالكذب وهذا بخلاف مجرّد العمل بشيء ولكنّك خبير بفساد الإيراد الثّاني
قوله ومن السّنة إلخ
أقول : الحديث ما روي عن مولانا الصّادق عليه السلام من أنّه قال القضاة أربعة ثلاثة في النّار وواحدة في الجنّة رجل قضى بجور وهو يعلم به فهو في النّار ورجل قضى بجور وهو لا يعلم أنّه قضى بجور فهو في النّار ورجل قضى بالحقّ وهو لا يعلم فهو في النّار ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة وقد يورد على الاستدلال به بأنّ الحديث الشّريف لا يدلّ على حرمة العمل بغير العلم من حيث التّشريع والتّدين بل الظَّاهر منه أنّ مجرّد العمل بغير العلم حرام ذاتا وإن صادف الواقع هذا وفيه ما لا يخفى وقد يناقش أيضا بأنّ المراد من الحديث الشّريف من لا يكون وظيفته القضاء من جهة عدم أهليّته لذلك من حيث فقدانه للملكة العلميّة كما أنّه قد يناقش في جميع ما ظاهره النّهي عن القول بغير العلم من الآيات والأخبار أو العمل بغير العلم بأنّ المراد هو النّهي الإرشادي من حيث كونهما في معرض خلاف الواقع كما أنّه يحمل الأمر بوجوب تحصيل العلم كتابا وسنّة على الإرشاد من حيث تحصيل الواقع لا الوجوب النّفسي كما زعمه بعض الأصحاب فتدبّر
قوله ومن الإجماع ما ادّعاه الفريد البهبهاني إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ المقصود ليس التّمسك بالإجماع المنقول في المقام حتّى يورد عليه بوجوه من الإيرادات أو وجهين بل الإجماع المنقول الَّذي نعلم بصدقه من جهة القرائن الخارجيّة والاعتضاد بنقل سائر الأعلام فيخرج عن التمسّك بنقل الإجماع بخبر الواحد الغير العلمي وأمّا التمسّك بالكتاب والسّنة فإنّما هو بعد ثبوت اعتبارهما من حيث التضافر والتّعاضد الموجب لحصول القطع فإنّ ما لم يذكره الأستاذ العلَّامة من الآيات والأخبار كثير جدّا أو من حيث كونها من الظنون الخاصّة الَّتي قام الدّليل القطعي على اعتبارها فلا يقال إنّ مرجع الاستدلال إلى التمسّك بغير العلم على منع التعبّد بغير العلم وهو محال ظاهر
قوله قدّه ومن العقل إلخ
أقول : قد يجعل الدّليل في المقام حكم العقل بلزوم دفع الضّرر المحتمل حيث إنّه لا يحصل من الاقتصار بالظَّن القطع بالواقع ويورد عليه بالمنع من حكم العقل بلزوم دفع الضّرر المحتمل وإنّما المسلَّم حكمه بلزوم دفع الضرر المظنون ومن هنا يجعل الأصل الأوّلي جواز العمل بالظَّن وحجيّته ويستفاد هذا كلَّه من المحقّق القمّي قدّس سرّه في القوانين وفيه مضافا إلى استقلال العقل بلزوم دفع الضّرر المحتمل الأخروي أنّ الدّليل على وجوب تحصيل العلم في الشرعيات وعدم جواز الاقتصار بالظَّن في مقام التّمكن ليس منحصرا في حكم العقل بل الأدلَّة الشّرعيّة صريحة في ذلك ولعلَّنا نتكلَّم في ذلك فيما سيتلى عليك بعض الكلام زائدا على ذلك إن شاء اللَّه تعالى
قوله ولو كان عن جهل مع التّقصير إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه قد يورد عليه بأنّه لا فرق في المسألة بين الجاهل القاصر والمقصّر لأنّ من يدّعي كون الأصل حرمة العمل بالظن كما هو قضيّة دليله أيضا من العقل والنّقل لا يفرق بين الجاهلين فإنّ من اجتهد في تحصيل الدّليل على اعتبار ظنّ وبذل وسعه في طلبه ولم يقف عليه يحرم عليه العمل به متديّنا بمقتضاه لأنّ حرمة التشريع تابعة لتحقّق موضوعه أينما كان ولا فرق في تحقق التشريع إذا كان العمل عن استناد إلى المولى بين الجهلين كما هو ظاهر هذا ولكن قد يذبّ عن الإيراد بأنّ المراد من الجهل هنا ليس هو الجهل البسيط كي يتوجّه عليه ما ذكر بل الجهل المركَّب ومن المعلوم أنّه لا يتصوّر في حقّ الجاهل القاصر بهذا المعنى التشريع
نعم ؛ يمكن تحققه في حقّ المقصّر
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 77
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٧٧