وليست إنشائيتها متوقّفة على العلم إلا أنّه لا تضادّ بينها وبين الحكم الظَّاهري على خلافها لاختلاف الموضوع فيهما لأنّ الموضوع للحكم الواقعي نفس الشّيء بلحاظ التّجرد وللحكم الظَّاهري الشّيء بلحاظ الظَّن أو الجهل بالحكم الواقعي بل قد عرفت عدم التضادّ بين الحرمة الواقعيّة والوجوب الفعلي في الصّلاة في الدّار المغصوبة في الجملة فكيف بالحكم الواقعي والظَّاهري على خلافه هذا ملخّص ما استفدناه من إفادة شيخنا الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه وهو مطلب مسلَّم بين الأصحاب لم يخالف فيه أحد قد عرفت بعض الكلام فيه في أوّل التّعليقة
وستقف على تفصيل القول فيه في طيّ أجزاء التّعليقة إن شاء اللَّه تعالى إلَّا أنّه مع ذلك كلَّه لا يحصل اليقين للنّفس بذلك ولا تدفع عنه شبهة أنّه إذا كان نفس الطَّلب الوجوبي مضادّا للطَّلب التّحريمي فكيف يجوز اجتماعهما مع كون أحدهما واقعيّا والآخر فعليّا أو ظاهريّا لأنّ اتصاف الفعل بالوجوب والتّحريم يستحيل عقلا سواء كانا واقعيّين أو فعليّين أو مختلفين لأنّ فعليّة الحكم وشأنيّته إنّما هما من شؤونه ومراتبه بملاحظة حكم العقل بكونه ممّا يستحقّ مخالفة العقاب ولا يستحقّه فالحكم الفعلي هو شأنيّ ذاتا وبحسب الحقيقة وإلَّا فليسا إنشائين من الشّارع مختلفي الموضوع
نعم ؛ لو رجع الحكم الواقعي إلى الطَّلب المشروط أو كان صرف الشّأنيّة بمعنى وجود المصلحة المقتضية لجعل الحكم أو منع التّضادّ بين الأحكام بحسب أنفسها وإنّما هو باعتبار تعلَّقها بالمكلَّف ولزوم امتثالها عليه صحّ اجتماعه مع الحكم الفعلي على خلافه ولكنّها كما ترى واللَّه العالم هذا ما يقال في توجيه الإشكال في اجتماع الحكم الواقعي والفعلي على خلافه ودفعه وأمّا اجتماع الحكم الواقعي مع الحكم الظَّاهري على خلافه فله وجه قد عرفت الإشارة إليه بقولنا الاختلاف الموضوع فيهما وستقف على شرح القول فيه وما يتوجّه عليه بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى
قوله قدس سره : وتلخّص من جميع ما ذكرنا إلخ
أقول : قد عرفت أنّ محلّ البحث في كلماته هو التعبّد بالخبر إلَّا أنّ مقتضى دليله الثّاني إلحاق غيره من مطلق الأمارات بل الأصول الحكميّة والموضوعيّة به في الجملة ضرورة أنّ تفويت الواقع اللَّازم من جعل الحكم الظَّاهري في الجملة لا يختصّ بموارد الأمارات
نعم ؛ في مورد الاحتياط والتّخيير العقلي لا يتصوّر تفويت الواقع من جعل الحكم الظَّاهري لأنّ مرجع الأوّل إلى إحراز الواقع المحتمل أو المقطوع والثّاني إلى الأخذ باحتمال الواقع فيما لا يمكن إحرازه فكيف يتصوّر تفويت الواقع فيه من جعل الشّارع والَّذي يدفع به الإشكال عن جعل الحكم الظَّاهري في موارد الأصول فيما يتوجّه عليه هو الوجه الثّاني لعدم ملاحظة الطَّريقيّة في الأصول وإلَّا لم يكن أصلا
نعم ؛ فيما لم يكن هناك إلَّا مجرّد رفع المؤاخذة والعقاب عقلا كما في موارد البراءة العقليّة لا يلزم هناك ملاحظة مصلحة كما هو واضح
قوله ثمّ إنّه ربما ينسب إلى بعض إلى آخره
أقول : ذلك البعض من العامّة كالعقال وابن الشّريح وأبي الحسين البصري ومستندهم على ما حكي وجهان أحدهما أنّ ترك العمل بخبر الواحد مظنّة للضّرر ودفع الضّرر المظنون واجب عقلا ثانيهما أنّه لو لم يجب العمل بخبر الواحد للزم خلوّ أكثر الوقائع عن الحكم واللَّازم قبيح فكذا المقدّم والقبيح محال على الحكيم تعالى هذا والعنوان في كلامهم وإن كان خصوص خبر الواحد إلَّا أنّ قضيّة دليلهم التّعميم كما لا يخفى ويرد على الأوّل أنّه إن أراد إثبات ذلك حيث يعلم بقاء التّكليف وانسداد باب العلم وغيرهما من مقدّمات دليل الانسداد فهو حسن على ما عليه المشهور من إنتاجها حجيّة الظَّن بحكم العقل إلَّا أنّه خروج عن محلّ البحث فإنّ الكلام إنّما هو في صورة الانفتاح مضافا إلى أنّ قضيّته ليس وجوب الجعل على الشّارع كما ستقف عليه وإن أراد إثبات ذلك مطلقا ففساده غنّي عن البيان هذا وأمّا الجواب عن الثاني فيظهر بإمعان النّظر فيما أفاده شيخنا الأستاذ العلَّامة
قوله فإن أريد وجوب إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام منه دام ظلَّه مبنيّ على ما هو المعروف من إفادة مقدّمات الانسداد لحجيّة مطلق الظَّن أو الظَّن في الجملة لا على ما سيبني عليه من عدم إفادة مقدّمات الانسداد لحجيّة الظَّن مطلقا
قوله إذ لا يعلم العقل بوجود مصلحة في أمارة إلخ
أقول : قد يمنع وجوب الجعل على الشّارع على هذا الفرض أيضا إذ غاية ما هناك صلاحيّة الأمارة حينئذ لتعلَّق الجعل بها من الشّارع وأمّا وجوبه عليه مع فرض إمكان تحصيل الواقع كما هو المفروض فلا دليل يقضي به هذا ولكنّك خبير بضعف ذلك إذ الأفعال في حقّه تعالى إمّا واجب الوجود أو ممتنع الوجود وليس ما يكون في حقّه جائزا أو ممكنا بالنّظر إلى الحكمة الإلهيّة كما برهن عليه في محلَّه وإن كان الممكن بالذّات في حقّه تعالى فوق حدّ الإحصاء
قوله اللَّهمّ إلَّا أن يكون إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه قد يورد عليه بأنّه إن أريد من الجرح ما يوجب الاختلال الذي يستقلّ العقل بقبح جعل الحكيم ما يؤدّي إليه كما ربما يستظهر من العبارة ففيه أنّه مع هذا الفرض يستقلّ بحجيّة الظَّن مطلقا أو في الجملة إذ هذا رجوع في الحقيقة إلى فرض الانسداد وحكم العقل بحجيّة الظن ليس مختصّا بزمان الغيبة بل يدور مدار وجود مقدّمات برهان الانسداد متى كان فلا يحكم في هذا الفرض أيضا بوجوب الجعل على الشّارع بل يستقلّ العقل بالحكم بحجيّة الظَّن وإن أريد ما نفاه الشّارع بالعمومات النّافية للحرج ممّا لم يصل إلى المرتبة الموجبة لاختلال النّظم بناء على ما هو المحقّق عندنا تبعا للمحقّقين من كون نفي هذا النّحو من الحرج بالشّرع ولذا وقع كثيرا لا بالعقل كما ربما يتوهّم من
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 76
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٧٦