في اقتضاء ما يعرضها من العناوين الطَّارية عليها وإن كان الرّجوع إلى الأصل بهذا الاعتبار أولى من الرّجوع إليه بالاعتبار الأوّل إلَّا أنّه لا يجدي أيضا في حكم العقل إلَّا على الوجه الَّذي عرفته
قوله قدس سره : والجواب
أقول : والوجه في هذا الجواب ظاهر إذ الإجماع الاصطلاحي لا ينفع في الامتناع والإمكان العقليّين كما هو ظاهر
فتدبّر هذا مجمل ما يقال في المقام وقد بقي خبايا في زوايا
قوله مع أنّ الإجماع على عدم الجواز إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه دام ظلَّه أراد بذلك الكلام المنع من قيام الإجماع على امتناع التعبّد بخبر الواحد من اللَّه على نحو التعبّد به من جانب النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله والأئمة القائمين مقامه أي يجوز التعبّد به من اللَّه أيضا بعد ثبوت الأحكام منه تعالى بطريق القطع واليقين واختفائها من جهة إخفاء الظَّالمين للحقّ هذا ولكنّك خبير بأنّ ما ذكره لا يخلو عن التّأمّل والإشكال إذ محلّ النزاع في جواز التعبّد بأخبار الآحاد ليس خصوص الصّورة الَّتي ذكرها الأستاذ العلامة مع أنّ ثبوت جميع الفروع بالطَّريق القطعي بحيث لا يكون لأخبار الآحاد مدخل فيها ليس بمسلَّم إلَّا أن يراد ثبوته في الجملة ولو للوصي مع أنّ جواز التعبّد بأخبار الآحاد عن اللَّه تعالى في الفرض أيضا ممّا انعقد الإجماع على خلافه وقد أجاب عن هذا الدّليل بعض أفاضل من تأخّر بما هذا لفظه والجواب منع الملازمة فإن الدّواعي في الأخبار عنه تعالى متوفرة على الكذب على تقدير القبول لما فيه من إثبات منصب الرّئاسة والفوز بمقام النّبوة والرّسالة فمع ذلك فالإخبار عن اللَّه تعالى يستدعي مزيد استعداد يندر حصوله فيستبعد قبوله ولهذا يحتاج إلى انضمام المعجزة بخلاف المقام انتهى كلامه رفع مقامه
قوله وأمّا عن دليله الثّاني فقد أجيب إلى آخره
أقول : لا يخفى عليك أنّ المجيب هو الفاضل المتقدّم كلامه في الجواب عن الدّليل الأوّل وما ذكره الأستاذ العلَّامة وإن كان حاصل كلامه إلَّا أنّ الأولى نقل عبارته بألفاظها لما فيه من مزيد الفائدة فقال قدس سره والجواب من وجهين
الأوّل : النّقض بالفتوى بناء على عدم التّصويب كما هو الصّواب أو بشهادة الشّاهدين وما قام مقامها وبالأصول المسلَّمة كأصل البراءة وبالظَّنون اللَّفظيّة ونحو ذلك ووجه النّقض أنّه قد يقع الخطاء في مؤدّى هذه الطرق كما يشهد به الاعتبار والاختبار وعلى تقديره يجري فيها ما ذكره في خبر الواحد بعينه من لزوم تحليل الحرام وتحريم الحلال فيلزم عدم جواز التعويل عليها وهو باطل بالضرورة والإجماع وربما أمكن النّقض بالقطع أيضا لوقوع الخطاء فيه وإن كان أقلّ من غيره
وأمّا ثانيا فبالحلّ وهو أنّه إن أريد بتحليل الحرام أو تحريم الحلال جعل ما هو حرام ظاهرا وتحريم ما هو حلال كذلك فالملازمة ممنوعة إذ ثبوت الأحكام في الظَّاهر منوط بمساعدة الأدلَّة عليها ولا فرق حينئذ بين أن يعتبر التّحليل والتّحريم المستفادين من خبر الواحد ظاهريّين أو واقعيّين وإن أريد تحليل ما هو حرام واقعا وتحريم ما هو حلال واقعا فإن اعتبر التّحليل والتّحريم من حيث الواقع فالملازمة أيضا ممنوعة وإن اعتبر من حيث الظَّاهر فبطلان التّالي ممنوع فإن ثبوت الأحكام عندنا تابع لحسن تشريعها فقد يحسن وضع القاعدة وتعميمها إلى مواردها تسهيلا لأمر التّكليف وإن ادّعى إلى ارتكاب القبيح الواقعي ومن هذا الباب جواز الاعتماد على الأمارات الشّرعيّة من الاستصحاب وقول ذي اليد والشّهادة مع إمكان الفحص عن الواقعة وتحصيل العلم بها ولو قرّر النّزاع في صورة انسداد باب العلم وبقاء التّكليف فالمنع أوضح إذ قد يحسن الأمر بالقبيح محافظة على ما هو أهمّ منه من فعل الحسن ويحسن النّهي عن الحسن محافظة على ما هو أهمّ من ترك القبيح فكما أنّ القبيح قد يكون مقدّمته تعينيّة لما هو أهمّ من فعل الحسن فيجوز لنا ارتكابه بل يجيب للتوصّل إليه مع علمنا بقبحه قد يكون الحسن سببا لحصول قبيح تركه أهمّ من فعله فيجوز لنا تركه بل يجيب تحرّزا عن حصول القبيح مع علمنا بحسنه فكذلك الحال فيما اشتبه علينا
الحال فلم نتمكَّن من تميز القبيح عن الحسن فيحسن في حقّنا ارتكاب القبيح أو ترك الحسن للتّوصّل إلى الأهمّ فيحسن من الشّارع أن يلزمنا به مع قضاء المصلحة لعدم وضع أسباب التّميز ومن هذا جملة من الطَّرق الشّرعيّة بالنّسبة إلى مواردها الَّتي لا سبيل لنا إلى تحصيل العلم بها كأخبار الآحاد والشّهادات فإنّها وإن لم يستلزم الإصابة للواقع بل قد يتخلَّف عنها لكنّ الغالب فيها الإصابة فجاز أن يحسن منّا الأخذ بها بجميع مواردها حتّى موارد التخلَّف مع عدم العلم به وأن يحسن من الشّارع أن يكلَّفنا به تحصيلا لما هو الغالب فيها من الإصابة وأمّا بالنّسبة إلى الموارد الَّتي يتمكن فيها من تحصيل العلم بالواقعة فتسويغ الأخذ بتلك الأمارات مبنيّ على الوجه السّابق
ثمّ هذا مبنيّ على ما حقّقناه في محلَّه من أنّ حسن الفعل وقبحه ليس من لوازمه وذاتيّاته غالبا بل مبناهما على الوجوه والاعتبارات اللَّاحقة له فيختلفان باختلاف الأحوال فيصحّ في قتل النّفس المحترمة الَّذي هو قبيح قبل قيام الشهادة الزّور المعتبرة في ظاهر الشّريعة أن يكون حسنا بعد قيامها وهكذا الكلام في نظائر ذلك وأمّا ما يجاب به من أنّ الغرض الدّاعي إلى تشريع الأحكام أمران
أحدهما : الوصول إلى لوازمها وجهاتها الواقعيّة
والثّاني إظهار الامتثال والعبوديّة والأمر الأوّل وإن جاز تخلَّفه من التّعويل على تلك الطَّرق إلَّا أنّ الأمر الثّاني ممّا لا يتخلَّف بعد تشريع الشّارع لها والأمر بمقتضاها جميع أنبيائه على ما تحقّق في محلَّه من أنّ جهات التكليف لا تنحصر في جهات الفعل ولا يقول به المجيب ممّا
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 68
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦٨