ممّا لا معنى له ضرورة استحالة اعتبار الوحدة والتّعدّد بالنّسبة إلى شيء واحد فإن لازمته منه الإرجاع الحكمي بمعنى أنّ الخطابين في حكم خطاب واحد في بناء العقلاء بالنّسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة بمعنى أنّ مخالفة أحدهما لا على التّعيين كمخالفة الخطاب المفصّل في بنائهم على عدم جوازها واستحقاق المخالف المؤاخذة عليها وفي حكم خطابين بالنّسبة إلى وجوب الموافقة القطعيّة فلا يلتزمون بوجوبها ففيه أنّ هذا أيضا ممّا لا معنى له أصلا لأنّ العقل والعقلاء إمّا بانيان على تنجّز الخطاب بمجرّد العلم الإجمالي بتوجّه خطاب إلى المكلَّف سواء كان مفصّلا أو مردّدا أو غيرها تبني على ذلك فإن بنيا على الأوّل فلا معنى للتفصيل كما أنّه لو بنيا على الثّاني لا معنى للتّفصيل أيضا وبالجملة التّفكيك بين حرمة المخالفة القطعيّة ووجوب الموافقة القطعيّة في حكم العقل والعقلاء ممّا لا معنى له وإن أردت شرح القول فيه فانتظر لما سيتلى عليك في الجزء الثّاني من التّعليقة قوله وقد يقال بالتّخيير مطلقا من جهة ما ورد إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّه قد جزم بهذه المقالة بعض أفاضل من تأخّر قال في فصوله بعد ذكر الوجه لوجوب الاحتياط على الخنثى في الأحكام المختصّة بكلّ من الرّجل والمرأة ما هذا لفظه وينبغي أن يستثنى من الحكم الأوّل كلّ حكم يعذر فيه الجاهل كالجهر والإخفات في مواضعهما فلا يجب عليه الاحتياط في ذلك بل يتخيّر عند عدم سماع الأجانب صوتها لجهله بالحكم فيقطع بالبراءة بدون الاحتياط ثمّ قال وهذا هو السّر في التزام الشّهيد رحمه الله في الذّكرى بوجوب الاحتياط في مسألة السّتر ولبس الحرير ومسيره إلى التّخيير في مسألة الجهر والإخفات فلا تدافع بين الحكمين أصلا كما زعمه الفاضل المعاصر في كلامه انتهى كلامه رفع مقامه وأنت خبير بضعف هذا التّوهّم أمّا أوّلا فلأنّ صريح الأخبار إنّما هو في الجهل من حيث الحكم لا الجهل من حيث الموضوع ولا الأعمّ منهما كما هو ظاهر لمن راجع إلى ما دلّ على معذوريّة الجاهل في مسألة الجهر والإخفات والمفروض علم الخنثى بحكم كلّ من الرّجل والمرأة في مسألة الجهر والإخفات أو يفرض الكلام في هذا الفرض فلا دخل لما دلّ على معذوريّة الجاهل بمسألة الجهر والإخفات في الشّرع بالمقام والقول بأنّا نفرض الكلام في الخنثى الجاهل بحكم المسألة ثمّ يلحق العالم به بالإجماع المركَّب وعدم القول بالتّفصيل فيه ما لا يخفى على الجاهل فضلا عن العالم وأمّا ثانيا فلأنّ صريح الأخبار إنّما هو في الجاهل المركَّب لا الجاهل البسيط مضافا إلى قيام الإجماع على بطلان صلاة من جهر في الصّلاة أو أخفى فيها متردّدا شاكَّا في صحّة عمله حتّى لو جهر في موضع الجهر وأخفى في موضع الإخفات فضلا عن صورة مخالفة عمله للواقع والحاصل أنّ المنساق ممّا دلّ على معذوريّة الجاهل في المسألة هو سقوط الإعادة والقضاء عمّن صلَّى جهرا أو إخفاتا معتقدا كون الواجب عليه ما أتى به ولو كان غير معذور في هذا الاعتقاد وأين هذا من معذوريّة الجاهل بالحكم التّكليفي ( 1 ) في الشّبهة الموضوعيّة الرّاجعة إلى التّخيير بزعم القائل فالمقام يفارق مورد الدّليل المذكور من وجوه فافهم وبالجملة ما أفاده رحمه الله في المقام في كمال الوضوح من الفساد ومنه يظهر فساد ما أورده على الفاضل القمي رحمه الله من عدم التّدافع بين كلامي الشّهيد في المسألتين على تقدير كون مراد الشهيد ما ذكره نعم ؛ يمكن أن يقال إنّ حكم الشّهيد رحمه الله بالتخيير لعلَّه كان من جهة الدّليل الوارد ولو من جهة الإجماع المدّعى على عدم وجوب تكرار الصّلاة عليها لا من جهة اقتضاء نفس الشّك في المسألة حتّى يتوجّه عليه ما أورده عليه الفاضل القمّي رحمه الله قوله وأمّا تخيير قاضي الفريضة المنسيّة إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّ ما ذكره دفع لما قد يورد على ما ذكره في دفع التّوهم الَّذي توهّمه بعض أفاضل المتأخّرين من أنّ المراد بالجاهل في الأخبار هو الجاهل بالحكم بالجهل المركَّب من أنّه لو كان المراد بالجاهل هو الَّذي ذكره الأستاذ العلَّامة لزم الحكم بعدم تخيير قاضي الفريضة المنسيّة بين الجهر والإخفات في الرّباعيّة مع أنّه جاهل بالموضوع بالجهل البسيط وحاصل ما ذكره دام ظلَّه في دفعه هو أنّ الحكم بالتّخيير في المسألة ليس من جهة ما ورد في تخيير الجاهل بحكم الجهر والإخفات بل إنّما هو من جهة حكم العقل به بعد قيام الدّليل على اكتفائه بالصّلوات الثّلاث على خلاف القاعدة فإنّ لازم الاكتفاء بها سقوط اعتبار الجهر والإخفات فتخييره بين الجهر والإخفات حقيقة ليس تخييرا شرعيّا بل تخيير عقلي بل يمكن أن يقال إنّه ليس تخييرا عقليّا بل هو إسقاط محض كما هو واضح قوله وفيه أنّ عموم وجوب الغضّ على المؤمنين وعلى المؤمنات إلَّا عن نسائهنّ أو الرّجال المذكورين في الآية إلى آخره أقول : قال اللَّه تعالى في محكم كتابه الكريم ومبرم خطابه العظيم في سورة النّور مخاطبا لنبيّه صلى الله عليه وآله قل للمؤمنين يَغُضُّوا مِن أَبْصارهم ويحفَظوُا فروجَهُمْ ذلك أزكى لهم إِنّ اللَّه خبيرٌ بما يَصْنَعُونَ وقل لِلمؤمناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُروجَهُنّ ولا يُبْدين زينتَهُنّ إلَّا لبُعُولتهنّ أو آبائهنَّ أو آباء بُعُولتهنّ أو أَبْنائهنّ أو أبناء بُعُولتهنّ إلى آخر الآية لا يخفى عليك أنّ استفادة العموم من الآية إنّما هي باعتبار حذف المتعلَّق في الآيتين وإن تأيّد في الآية الثّانية بالاستثناء ولكنّها محلّ نظر ضرورة أنّه لا يمكن ادّعاء وجوب الغضّ عن كلّ شيء إلَّا ما خرج فتدبّر ثمّ على تقدير تسليم العموم قد يستشكل في جواز الاستدلال بهما في المقام بناء على عدم كون الخنثى واسطة على ما هو قضيّة التحقيق والفرض فإنّ المفروض أنّ جواز النّظر إلى المماثل قد ثبت بمقتضى الكتاب والسّنة والإجماع والشّكّ في حكم الخنثى إنّما هو من جهة الشّكّ في الموضوع وقد ثبت عند المحقّقين أن التّمسك بالعمومات لا يجوز في الشّبهات الموضوعيّة وقد اعترف به الأستاذ العلَّامة في غير موضع
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 65
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦٥
هامش
( 1 ) بالجهل البسيط