تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
به الجواز الواقعي بمعنى أنّ العقل يحكم بأنّه لا قبح في العمل به واقعا وأنّه لا يمتنع عنه تعالى بمقتضى الحكمة إن تكلَّفنا به كما يظهر من بعض المعاصرين فالحق بطلان القول بالجواز كالقول بالامتناع إذ ليس العمل بالخبر الواحد ممّا يدرك العقل جهاته الواقعيّة حتّى يحكم فيه بجواز أو امتناع وإن أرادوا الجواز الظَّاهري بمعنى عدم القبح ما لم ينكشف الخلاف فإن اعتبر مطلقا فالحق خلافه لأنّ العقل لا يستقلّ بجواز الاعتماد بخبر الواحد في معرفة الأحكام ولو مع التّمكن من العلم ولو خصّ بصورة الانسداد فلا ريب في ثبوت الجواز لكن يبعد جدّ التزام المانع بالمنع فيها ثمّ اختار كون محلّ النّزاع بينهم هو الوجه الأوّل وحرر البحث فيه ولكنّك خبير بأنّ ظاهرهم خلاف ما استفاده ولذا أورد عليهم الأستاذ العلَّامة بأنّ الأولى قلب الدّليل فإنّه غير نقيّ عن الإيراد مع أنّ ظاهر الوجه الأوّل ليس القول بالإمكان أصلا بل هو منع لحكم العقل بالإمكان والامتناع معا وهو كما ترى لا يجامع كلام القائلين بالإمكان كما هو واضح هذا اللَّهمّ إلَّا أن ينضمّ إليه ما ذكره الأستاذ العلَّامة في بيان تقريره فتدبّر فيما يتعلق بالظن وما يتعلق به قوله قدس سره : فالأولى أن يقرّر هكذا إنّا لا نجد في عقولنا بعد التّأمل إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّه لو كان المراد من هذا مجرّد نفي الامتناع لم ينفع فيما أراده المدّعي أصلا على ما عرفت بل لا بدّ من أن يكون المراد منه إثبات الإمكان العقلي حسبما هو صريح كلام الأستاذ العلَّامة أيضا وليس المقصود إثبات الإمكان الظَّاهري أيضا حتّى يتوجّه عليه ما أورده عليه الفاضل المتقدّم ذكره بل المقصود إثبات الإمكان الواقعي به وبيانه على سبيل الإجمال هو أنّا معاشر العقلاء إذا راجعنا إلى عقولنا وتأمّلنا في إدراك وجه استحالة شيء ولم ندركه ولم يحكم عقولنا بها نحكم بأنّه ممكن لا محالة ضرورة عدم جواز خطاء جميع العقول لا يقال لو كان الأمر كما ذكرته من كون الحكم بالإمكان حكما واقعيّا نحكم به على سبيل الجزم واليقين فأيّ وجه إذا لتغيير أسلوب عبارة المشهور في بيان الاستدلال مع كون المدّعى إثبات الإمكان الواقعي على سبيل الجزم واليقين لأنّا نقول فرق بين ما سلكه المشهور في بيان الاستدلال على المدّعى ومسلكنا هذا حيث إنّ مرجع استدلال المشهور حسبما هو قضيّة ظاهر كلماتهم عدم وجود وجه للاستحالة أوّلا وبالذّات ومرجع استدلالنا إلى عدم وجدان وجه للاستحالة ثمّ نحكم بعدم وجوده من باب تلازم عدم الوجدان لعدم الوجود في خصوص المقام ومن هنا ذكر جمع من أعلام فنّ المعقول منهم الشّيخ الرّئيس ما حاصله أنّه كلّ ما شككت في إمكانه وامتناعه فذره في بقعة الإمكان والمراد بالشّك الشّك الابتدائي الزّائل بعد التأمّل فيما ذكرنا فليس مقصودهم بيان الحكم بالإمكان ظاهرا نعم ؛ يحتمل قريبا أن يكون مرادهم التّوقّف عن الحكم هذا ولكن يشكل ما ذكرنا بأنّه بعد الاعتراف بعدم إحاطة العقل ووقوفه على الجهات المحسنة والمقبحة لتجويز الشّارع العمل بالظَّن وتجويز وجود ما يقتضي الامتناع بحسب الواقع ونفس الأمر فكيف يدّعي مع ذلك أنّ عدم وجداننا يدلّ على عدم الوجود على سبيل القطع فلا بدّ من أن يكون المراد بالإمكان إذا هو الإمكان الظَّاهري حتّى يجتمع مع احتمال وجود ما يقتضي الامتناع بحسب الواقع فالمراد أنّ بناء العقلاء قد استقرّ على الحكم بالإمكان بعد الرّجوع إلى عقولهم وعدم وجدانهم وجها للاستحالة حتّى يظهر لهم الامتناع الواقعي فهذه قاعدة ظنيّة معتبرة عندهم في مسألة دوران الأمر بين الإمكان والامتناع فلا يرد إذا أنّ بناء العقلاء في أمورهم على الحكم بشيء تعبّدا ممّا لا معنى له وعليه يحمل ما هو المعروف بين الحكماء بل ربما يقال إنّ ظاهره ذلك فلا يحتاج إلى الحمل كما لا يخفى لمن تأمّل فيه هذا ويمكن أن يصحّح الوجه الأوّل الَّذي بنى تحرير محلّ النّزاع عليه بعض الأفاضل بأن يقال إنّ المقصود في المقام الردّ على من ادّعى استحالة تعبّد الشّارع بخبر الواحد الظَّني فأوّل ما دلّ بظاهره على اعتباره وحكم بأنّ المراد منه اعتباره في صورة إفادة القطع فيقال في ردّه أنّا بعد ما لم نقف على ما يقضي باستحالة التعبّد بغير العلم وقبحه على الحكيم فلا معنى لأن نحكم بعدم جواز وقوعه والتصرف فيما دلّ عليه بظاهره لا يقال كيف لا يجعل المدّعى الإمكان الواقعي مع أنّ الثّابت عند المشهور تعبّد الشّارع بغير العلم على سبيل الجزم وهو لا يجامع الحكم بالإمكان ظاهرا كما هو واضح على الأوائل فضلا عن الأواخر لأنّا نقول الكلام في الإمكان إنّما هو مع قطع النّظر عن الوقوع وبعد ملاحظة وقوع التعبد من الشّارع يقطع بعدم وجه للاستحالة بحسب الواقع من حيث استحالة صدور القبيح عن الحكيم تعالى إلَّا أن هذا لا ينافي القول بأن عقولنا لا يحكم بالإمكان واقعا من جهة توقّفه على وقوفه على الجهات الواقعيّة في التعبّد بغير العلم وهو غير واقف عليها فتدبّر هذا وقد يجعل المدارك في الحكم بالإمكان أصالة العدم فإنّ مقتضاها عدم اقتضاء الذّات شيئا من الوجوب والامتناع كما أنّ مقتضاها عدم وجود جهة في الذّات تقتضي الامتناع أو الوجوب وفيه أنّه إن أريد من الأصل ما عليه بناء العقلاء عند الشّك في وجود كلّ حادث على تقدير تسليم بنائهم عليه فهو يرجع إلى ما ذكرنا لأنّ بناء العقلاء على العمل بالأصل ليس من باب مجرّد التعبّد بل من باب الظَّن فهو راجع إلى ما ذكرنا في بيان قاعدة الإمكان وإن أريد منه ما ثبت من باب التعبّد الشّرعي من جهة أخبار الاستصحاب ففيه أنّه لا ينفع إلَّا في ترتيب الآثار الشّرعيّة المترتّبة على الممكن لا في حكم العقلاء بالإمكان كما هو واضح هذا مضافا إلى ما عرفت من أنّ الكلام في المقام ليس في اقتضاء نفس الذات الامتناع أو الوجوب وإنّما
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 67 | ميرزا محمد حسن الآشتياني