إنّما هو العقل ونحن ندّعي أنّه لا يفرّق العقل في الحكم بقبح المخالفة القطعية العملية بين كونها في واقعة أو واقعتين ويعلم صدق هذه الدّعوى من راجع العقل والعقلاء مراعيا للإنصاف
فإن قلت لو لم يجوّز العقل المخالفة القطعيّة التّدريجيّة لم يجز للشّارع أن يحكم بالتّخيير الاستمراري بين قولي المجتهدين للمقلَّدين فيما يعلم بحقّه أحدهما كما إذا أفتى أحدهما بالوجوب والآخر بالحرمة أو أحدهما بوجوب صلاة الظَّهر والآخر بوجوب صلاة الجمعة ولا بين الخبرين المتعارضين أو غيرهما من الأدلَّة والأمارات المتعارضة فإنّه وإن قيل بعدم التّخيير من جهة عدم الدّليل عليه أو الدّليل على عدمه إلَّا أنّه لم يقل أحد بقبح تجويزه على الشّارع ولوجب الحكم أيضا بالبقاء على من قلَّد مجتهدا ثمّ مات ويعلم بلزوم المخالفة القطعيّة العمليّة من العدول إلى المجتهد الحيّ أو قلَّد أحد المتساويين في مرتبة الاجتهاد ثمّ صار غير من قلَّده أعلم إلى غير ذلك من الموارد مع أنّ الظَّاهر من الأكثر هو الحكم بوجوب العدول فيها على المقلَّد
فإن قلت القبيح هو الإذن من أوّل الأمر بفعل ما يستلزم منه المخالفة القطعيّة العمليّة وفي مسألة العدول عن الميّت إلى الحيّ وعن غير الأعلم إلى الأعلم ليس الأمر كذلك ( قلت ) ما تقول في مسألة التّخيير الاستمراري بين قولي المجتهدين وبين الخبرين مع أنّ الإذن في المخالفة القطعيّة فيها من أوّل الأمر
قلت ليس من الجائز قياس جواز المخالفة القطعيّة العمليّة التدريجية في المقام على جوازها في الموارد المذكورة وأشباهها حيث إن مرجع تجويز الشّارع في موارد النّقض إلى جعل الالتزام بالحكم المحتمل أو أحد الطَّريقين في كلّ واقعة والأخذ بمقتضاه والعمل عليه امتثالا للحكم النّفس الأمري فمخالفته متداركة وهذا بخلاف الالتزام بالإباحة فإن مرجعه إلى تجويز المخالفة القطعيّة من دون تدارك ومن هنا ذكر قدّس سرّه وأمّا لو التزم بأحد الاحتمالين إلى آخره وهذا هو المراد بقوله دام ظلَّه وتعدّد الواقعة إنّما يجدي إلى آخره لا ما يتوهّمه الجاهل هذا وستقف على بعض الكلام في ذلك في الجزء الثّاني من التّعليقة
فإن قلت إنّا نمنع من لزوم المخالفة القطعيّة العملية من الحكم
بالجواز وإباحة كلّ من الفعل والتّرك فإنّ لنا أن نختار أنّه يجب عليه إمّا الفعل دائما أو الترك كذلك فلا يلزم منه محذور أصلا
قلت هذا عين الالتزام بمقالة القائل بالتّخيير فإنّ مقصوده ليس أزيد من ذلك
توضيح ذلك أنّ اختيار واحد من الفعل والتّرك دائما إن كان بمعنى إيجاب الشّارع له في مرحلة الظَّاهر فهو راجع إلى القول بالتخيير الابتدائي حقيقة وإن كان مع تجويز خلافه في حكم الشّارع فيرجع إلى تجويز المخالفة القطعيّة وإن لم يتحقّق في الخارج وهو قبيح على الحكيم تعالى في حكم العقل ولا ثالث لذينك
فتأمّل هذا محصّل ما يقال في توضيح ما ذكره دام ظلَّه وإفادته وفيه بعض سؤالات أخر ستقف عليه في الجزء الثّاني من الكتاب
ثانيهما : ما ورد في الخبرين المتعارضين ممّا يدلّ على التّخيير بينهما عند التّعادل فإنّ موردهما وإن كان الخبرين المتعارضين إلا أنّه يمكن استفادة حكم المقام منه بتنقيح المناط أو بالأولويّة القطعيّة فإنّه إذا لم يجوّز الشّارع المخالفة للحكم الظَّاهري فعدم جوازه لمخالفة الحكم الواقعي بالطَّريق الأولى وإلى هذا الوجه أشار بقوله ويمكن استفادة المطلب من فحوى إلى آخره هذا ولكنّك خبير بأنّ المناط غير منقّح والأولويّة ممنوعة على بعض التقادير وغير نافعة في المقام على بعض التّقادير الأخر وقد أورد دام ظله على الاستدلال بهذا الوجه في الجزء الثاني من الكتاب بما ستقف بيانه منّا ثمّة
ثمّ إنّه بقي في المقام خبايا في زوايا لا نقدر على الإشارة إليها من جهة ضيق المجال وتشتّت البال واللَّه الموفّق وهو الهادي إلى الصّواب
ثمّ اعلم أنّ ما ذكره دام ظلَّه في المسألة لا دخل له بما هو محلّ الكلام والبحث فإنّه كان في المخالفة الالتزاميّة المحضة وما ذكره فيها مبنيّ على المخالفة العمليّة ولا اختصاص لما ذكره بالفرض بل يجري في جميع الصّور الشّبهة الحكميّة فإنّ المخالفة الالتزاميّة المحضة لا توحد فيها فهي خارجة عن محلّ الكلام
نعم ؛ لا إشكال في وجودها في الشّبهات الموضوعيّة فما أفاده في حكم المقام فإنّما هو مع قطع النّظر عن هذه الملاحظة وإلى ما ذكرنا كلَّه أشار بقوله لكن هذا الكلام لا يجري إلى آخره ولعلّ الوجه في أمره بالتّأمّل في المقام هو إمكان منع الأمر المنجّز في واقعتين إذا فرض عدم الابتلاء بهما في زمان واحد فتأمّل
قوله وأمّا المخالفة العمليّة فإن كانت لخطاب إلخ
أقول : المخالفة العمليّة قد تكون لخطاب معيّن مفصّل قد وقع الاشتباه في متعلَّقه وقد تكون لخطاب مردّد بين الخطابين بمعنى العلم بوجود أحدهما وهذان قد يكونان من نوع واحد سواء كانا تحريميّين أو وجوبيين وقد يكونان من نوعين كالوجوب والتّحريم وعلى جميع التّقادير إمّا أن يكون الشّبهة حكميّة أو موضوعيّة فإن كانت المخالفة لخطاب تفصيلي فلا إشكال في عدم جوازها مطلقا سواء كانت في الشّبهة الموضوعيّة أو الحكميّة لاستقلال العقل بقبح مخالفة الخطاب المعلوم في الفرض بحيث لا يجوز للشّارع الإذن فيها
وبعبارة أخرى العلم الإجمالي كالعلم التفصيلي في تنجّز الخطاب به عند العقل فلا يجوز مخالفته القطعيّة على ما هي المقصود بالبحث فحينئذ إن قلنا بأنّ المراد من العلم الرّافع لموضوع الأصول الأعمّ من العلم الإجمالي فلا إشكال وإن قلنا بظهوره في العلم التّفصيلي فلا بدّ من رفع اليد منه وجعل المراد الأعمّ لملاحظة ما عرفت من حكم العقل هذا ولكن قد خالف فيما ذكرنا فريقان
أحدهما : من يرى جواز المخالفة مطلقا ولو كانت دفعة
ثانيهما : من يرى جوازها تدريجا ولا يجوزها دفعة وسنتكلَّم فيما هو المستند لهما مع ردّه في الجزء الثّاني
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 60
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦٠