تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
عدم الإباحة في مرحلة الواقع لا في مرحلة الظَّاهر إذ التّلازم بينهما إن كان من جهة التّنافي بين ثبوت أحد الحكمين في الواقع والإباحة بحسب الظَّاهر ففيه أنّ المسلَّم عندهم عدم التّنافي بين الحكمين المذكورين وإلَّا كان ثبوت الحكم الظَّاهري مشروطا بعدم مخالفته للواقع وهو محال إذ بعد العلم بالحكم الواقعي لا يعقل وجود الحكم الظَّاهري فكيف يعقل في ثبوته موافقته له أو كونه إخبارا عن مجرّد المعذوريّة وهو كما ترى بمكان من الضّعف والسّقوط بحيث لا يرتاب في فساده جاهل وأيّ فرق بين قوله صلَّى اللَّه عليه وآله مثلا ( كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر ) وقوله صلى الله عليه وآله ( خلق اللَّه الماء طهورا لا ينجسه شيء إلَّا ما غيّر لونه أو ريحه ) وكذا أي فرق بين قوله صلى الله عليه وآله ( كلّ شيء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام ) وبين قوله تعالى ( أحلّ لكم الطيبات ) وبين قوله عليه السلام ( لا تنقض اليقين بالشّك ) وبين قوله صلى الله عليه وآله ( لا تنفض الوضوء الخفقة والخفقتان ) وهكذا نعم ؛ ثبوت المعنى المذكور لا غبار فيه بالنسبة إلى موارد خصوص البراءة العقلية وأين هذا من إطلاق القول برجوع الحكم الظَّاهري بقول مطلق بالنسبة إلى مفاد الأمارات والأصول إلى المعذوريّة في مخالفة الواقع لو اتّفقت وهذا الَّذي تسالموا عليه وإن كان محلَّا للتأمّل عندنا وقابلا للنقض والإبرام إلَّا أنّه من الواضحات عند القوم هذا وإن كان من جهة رجوع حكم الشّارع بالإباحة إلى ترخيص الشّارع وتجويزه لمعصية التكليف المعلوم بالإجمال ففيه المنع من ذلك إذ هو المفروض هذا كلَّه مضافا إلى عدم الفرق عند التحقيق بين الإباحة الظَّاهريّة والتّخيير الظَّاهري الَّذي التزم به الخصم فرارا عن المخالفة الالتزامية ضرورة مغايرة التّخيير ولو كان ظاهريّا للتعيين ولو كان واقعيّا وبعبارة أخرى كون الحكم الظَّاهري أحد الحكمين تخييرا يغاير كون الحكم الواقعي أحدهما المعيّن عند اللَّه تعالى نعم المختار لا يعلم مخالفته للواقع لاحتمال موافقته له لكنّه غير التّخيير والكلام إنّما هو فيه لا في المختار كما هو ظاهر هذا وإن كان من جهة عدم مساعدة أدلَّة البراءة والإباحة لإثبات الإباحة الظَّاهريّة فيما علم بثبوت أحد الحكمين الالزاميّين لانصراف أدلَّتها اللفظيّة إلى غيره وعدم قيام الإجماع عليها في الفرض وعدم استقلال العقل بها فيه فهو كلام آخر غير مانعيّة مخالفة الالتزاميّة وطرح قول الشّارع مضافا إلى أنّه لا يلزم منه الالتزام بأحد الحكمين أيضا إذ كما أنّه لا دليل على الإباحة في المقام على ما فرض كذلك لا دليل على الالتزام في مرحلة الظَّاهر بأحد الحكمين إذ الدّليل عليه إن كان ما دلّ على وجوب تصديق الشّارع في أحكامه والتّدين والالتزام على نحو ثبوته فقد عرفت أنّه لا معنى له إذ كما لا يمكن منعه عن الحكم المغاير في مرحلة الظَّاهر في موضع البحث كذلك لا يمكن إثباته للحكم المغاير بل المحتمل موافقته له في مرحلة الظَّاهر وإن كان من جهة الاحتياط في إدراك الواقع ورعاية وجوب الالتزام ففيه أنّ الاحتياط بالنّسبة إلى دليل وجوب الالتزام لا يقتضي الالتزام بمحتمل الإلزام بل لا يمكن اقتضاؤه لذلك كما هو الظَّاهر لأنّه تشريع محرّم بالأدلَّة الأربعة فإن شئت قلت إنّ هذا الحكم لا يقبل الاحتياط قطعا نعم ؛ بعد قيام الدّليل على ثبوت التخيير في مرحلة الظَّاهر يجب الالتزام به كذلك من جهة العلم بثبوته لا من جهة الاحتمال وإن كان ما دلّ على وجوب التخيير بين المتعارضين ولو بالفحوى من حيث إنّ رعاية الشّارع للحكم الواقعي في المقام أولى من رعايته للحكم الظَّاهري وبعبارة أخرى العلم بأنّ حكم الواقعة أحد الحكمين أقوى من دلالة المتعارضين على نفي الثّالث فيرد عليه أنّه لم يعلم مناط حكم الشّارع بالتخيير بين الخبرين المتعارضين حتّى يتعدّى منهما إلى الاحتمالين كما ستقف عليه ومنه يظهر النّظر في قوله قدّس سرّه فيما سيجيء ويمكن استفادة المطلب من فحوى أخبار التخيير إلى آخره فاللَّازم على تقدير عدم مساعدة دليل الإباحة التّوقف عن الحكم ظاهرا والالتزام بثبوت أحد الحكمين واقعا ولا دليل على وجوب الالتزام بحكم ظاهري في كلّ واقعة معيّنا وإن كان ثابتا في نفس الأمر إذا لم يتوقّف العمل عليه كما هو المفروض هذا فإن شئت قلت إنّ ما دلّ على وجوب الالتزام فإنّما يدلّ على كبرى كليّة لا يمكن أخذ النّتيجة منه بالنّسبة إلى الخصوصيات إلَّا بعد ضمّ صغرى وجدانية أو برهانيّة فإذا أردنا إثبات الالتزام بخصوص الوجوب مثلا فلا ينفع فيه مجرّد ما دلّ على وجوب الالتزام بما جاء به الشّارع بل لا بدّ من إثبات كونه حكم اللَّه تعالى وممّا جاء به الشّارع وكذلك إذا أردنا الالتزام بكون حكم الواقعة أحد الحكمين تخييرا أو الواجب أحد الشيئين تخييرا فإن أردنا الالتزام بكون الحكم الواقعي للواقعة التّخيير فلا بدّ من إثبات كون الحكم الواقعي التّخيير وإن أردنا الالتزام بالتخيير الظَّاهري فلا بدّ من إثبات كون الحكم الظَّاهري ذلك من الخارج فعلى كلّ تقدير لا ينفع في ذلك مجرّد وجود دليل الالتزام هذا وبعبارة أوضح إثبات وجوب التخيير بين الحكمين أو الأخذ بمحتمل الحكم بما دلّ على وجوب الالتزام بالأحكام الشّرعية غير معقول إذ مرجعه إلى التّمسك بالدليل على الحكم مع الشّك في موضوعه والتّمسك بالاحتياط لذلك مع أنّه لا دليل عليه غير معقول أيضا إذا الاحتياط ينافي الالتزام مضافا إلى أنّ مورده في غير دوران الأمر بين المحذورين حسبما عرفت مفصّلا وبعبارة أخصر إن أراد القائل بالتخيير من الحكم الَّذي يلزم من الرّجوع إلى الأصل مخالفته من حيث الالتزام الحكم الواقعي فيمنع لزوم مخالفته إذ الأصل لا ينفي الحكم بحسب الواقع كيف ولا يعقل ذلك وإن أراد الحكم الظَّاهري أعني التخيير فالرّجوع إلى الأصل وإن استلزم نفيه إلَّا أنه يمنع عن كونه حكما ظاهر بالواقعة إلَّا بعد قيام الدّليل عليه فإثباته بما ذكر دور ظاهر هذا وإلى ما ذكرنا أشار بقوله قدس سره وأمّا دليل وجوب الالتزام