بما جاء به الشارع إلى آخره هذا وقد يتوهّم أنّ مراده قدس سره من الالتزام قصد الحكم والوجوب مثلا على ما يوهمه قوله إلا أنّه فعله لا لداعي الوجوب وهو كما ترى بمكان من الضّعف إذ المراد منه الفعل من دون التزام بالوجوب فتدبّر كضعف توهم كون المراد من الالتزام في كلامه تحصيل الاعتقاد بالأحكام الشرعيّة هذا بعض الكلام في مدرك القول بالإباحة والتّخيير وأمّا وجه القول بلزوم البناء على خصوص احتمال الحرمة فستقف على تفصيل القول فيه في الجزء الثّاني قوله دام ظلَّه ويمكن أن يقرّر دليل الجواز بوجه آخر إلخ أقول : هذا مسلك آخر في الحكم بعدم التّخيير غير ما عرفت سابقا فإنّه كان مبنيّا على حكم العقل بجواز المخالفة الالتزاميّة وترك التّخيير وهذا مبني على عدم الدّليل عليه على تقدير واستحالة قيامه عليه على تقدير آخر وتوضيح ما ذكره دام ظله هو أنّه إذا وجب الالتزام فلا يخلو إمّا أن يكون بأحدهما المعيّن واقعا المعلوم عند اللَّه بعنوانه التّعيّني وإمّا أن يكون بأحدهما الغير المعيّن واقعا أيضا وأمّا أن يكون بأحدهما المخيّر فيه أي بكلّ منهما بالوجوب التّخييري والأوّل مضافا إلى عدم قيام دليل عليه وعدم التزام الخصم به أيضا تكليف بالمحال فإنّه لا يتمكَّن من امتثال هذا الخطاب على سبيل القطع وإن تمكن منه على سبيل الاحتمال فتأمّل ( 1 ) والثّاني تكليف قبيح بل محال كما هو واضح ضرورة عدم إمكان الإنشاء مع كون متعلَّقه مبهما والثالث غير ممكن على تقدير وغير واقع على تقدير آخر فإنّ المقصود من هذا الأمر التّخييري إمّا أن يكون مجرّد الإتيان والتّرك اللَّذين لا يخلو المكلَّف عنهما وإمّا أن يكون اختيار أحدهما ملتزما بحكمه فإن كان المقصود الأوّل ففيه أنّ طلبه محال من حيث استلزامه لطلب الحاصل سواء ادّعي استفادته من نفس الأمر الموجود واقعا مع أنّه محال من وجه آخر أو من أمر آخر وإن أريد الثّاني فإمّا يدّعى استفادته من الأمر الواقعي الموجود في الواقعة بالفرض أو من الخارج فإن ادّعي استفادته من الأمر الواقعي ففيه أنّ إرادة الوجوب التّخييري منه ممّا لا يمكن لا لمجرّد لزوم استعمال اللَّفظ في أكثر من معنى بل من جهة أنّ الوجوب التّخييري المبحوث عنه في المقام ليس تخييرا واقعيّا وإلَّا لزم الخلف مع محذور آخر من حيث لزوم اجتماع الوجوب التّخييري والتّعيني واقعا في الشّيء الواحد من جميع الجهات بل هو تخيير ظاهري ومن المعلوم ضرورة أنّه لا يمكن إنشاء حكمين أحدهما واقعي والآخر ظاهريّ بإنشاء واحد كما هو قضيّة الفرض لما بينهما من التّرتب وهو ظاهر هذا مضافا إلى عدم إمكان استفادة وجوب الالتزام بالأحكام ممّا دلّ على ثبوتها كعدم إمكان استفادة وجوب إطاعة الأحكام من نفس أدلَّة الأحكام ضرورة تأخّر موضوع وجوب الالتزام والإطاعة عن دليل المثبت للحكم وإن كان المدّعى استفادته من الخارج ففيه أنّه إن كان ما دلّ على وجوب الالتزام بالأحكام فقد عرفت تفصيل القول فيه وإن كان غيره ففيه أنّه وإن أمكن قيام دليل عليه لأنّه أمر متصور معقول على ما عرفت إلَّا أنّه ليس لنا دليل يدلّ على هذا لا من العقل ولا من النّقل أمّا من الثّاني فظاهر وأمّا الأوّل فلما عرفت تفصيل القول فيه هذا محصّل ما يستفاد من كلامه في توضيح المرام وبيان ما هو المقصود في المقام وبمثله لا بدّ من أن يحرّر الكلام لا بمثل ما حرّره الأستاذ العلَّامة قدس سره فإنّه لا يخلو عن مناقشة فإنّه يرد على ما استدركه بقوله إلَّا أن يقال إنّ المدّعى للخطاب التّخييري إلى آخره أنّ هذا المدّعى من القائل بالتّخيير ممّا لا يعقل فإنّ مفروض البحث في دوران الأمر بين الوجوب والتّحريم التّوصّليّين فكيف يمكن للقائل بوجوب التّخيير القول بلزوم قصد التعبّد بالنّسبة إلى ما يختاره فالمتعيّن أن يقال بدل ما ذكر إلَّا أن يقال إنّ المدّعي للخطاب التّخييري إنّما يدّعي ثبوته بمعنى دلالته على وجوب الالتزام بأحد الحكمين ظاهرا وإن لم يقصد التّقرب في مقام الإتيان أصلا فإنّ هذا هو محطَّ نظر من يدّعي التّخيير في المقام ليس إلَّا اللَّهمّ إلا أن يراد من التّعبد الالتزام كما هو الظَّاهر عند التّأمّل هذا ولكن وجدت في بعض النّسخ بدل ما عرفت من الاستدراك إلَّا أن يلتزم بأنّ الخطاب المدّعى ثبوته ليس الغرض منه ما هو حاصل بدونه بل المقصود صدور واحد من الفعل أو التّرك مع الالتزام بحكم لا على وجه عدم المبالاة انتهى وهذا كما ترى في غاية الجودة هذا ولكن يمكن أن يقال إنّ إرادة الالتزام بأحدهما المعيّن عند اللَّه الثّابت للواقعة على نحو ثبوته لها ليس محالا إذ هو أمر ممكن بل لا بدّ من القول به على ما عرفت وإن كان القائل بالتّخيير لا يقول به إلَّا أنّ الكلام في إمكانه فتدبّر قوله ولكن الظَّاهر من جماعة من الأصحاب إلخ أقول : لا إشكال في ظهور كلماتهم في باب الإجماع المركَّب بل صراحتها كما هو واضح لمن راجع إليها في عدم جواز الرّجوع إلى قول يستلزم منه المخالفة الالتزاميّة للحكم المعلوم صدوره من الإمام عليه السلام وليس كلامهم مسوقا لبيان حكم المخالفة العمليّة أصلا إلَّا أنّ ظهورها في نفي ما بنينا عليه في محلّ المنع فنقول إنّ مقتضى القاعدة في هذا الباب أنّه لو كان القولان على الوجوب والاستحباب أو الحرمة والكراهة لم يكن إشكال في وجوب الالتزام بالرّجحان القدر المشترك في الأوّل بحسب الظَّاهر والمرجوحيّة في الثّاني كذلك لأنّه معلوم تفصيلا ولا يجوز الالتزام بغيرهما ولو بحسب الظَّاهر وإن كانا على الوجوب والحرمة أو الوجوب والكراهة أو الحرمة والاستحباب أو الكراهة والاستحباب لم يكن إشكال في جواز الالتزام بالترخيص المطلق في جميع الصّور المذكورة وعدم جواز الالتزام بحكم خاصّ ولو ظاهرا لعدم الدّليل عليه وإن كانا على أحد الأحكام الاقتضائية و
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 58
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٥٨
هامش
( 1 ) وجه التأمل إن عدم التمكن من الامتثال على سبيل العلم لا يوجب عدم القدرة وأما السقط للتكيف قطعا مد ظله العالي .