الوجه في الاستشكال الثّاني أيضا إذ بعد البناء على إطلاق كلّ من دليلي حجيّة العقل الفطري والنقل المقابل له مع عدم دليل هناك على التّرجيح لا بدّ من أن يستشكل في حكم تعارضهما فالإشكال الأوّل مبنيّ على الإشكال في الإطلاق والثّاني مبنيّ على القطع بالإطلاق من الجانبين مع الإشكال في تقديم أحد الإطلاقين نعم ؛ ما أفاده قدّس سرّه من أنّه لا ينبغي الإشكال في تقديم العقل الفطري على تقدير تسليم إمكان التّعارض لا سترة فيه أيضا إذ أمر العقل الفطري أوضح وأظهر من حجيّة قول النّبي صلى الله عليه وآله والوليّ عليه السلام بل ثبوت الصّانع جلّ ذكره الَّذي هو مبني حجيّة قولهما كما لا يخفى لكن يمكن ( 1 ) مذهب الحقّ لا غبار فيه أصلا إذ ثبوت جميع هذه الأمور لا بدّ من أن ينتهي إلى العقل لا محالة لامتناع أن يثبت بالنّقل كما هو واضح بديهيّ وأمّا على مذهب هؤلاء الجامدين الذّاهبين إلى أنّ حجيّة العقل الفطري إنّما هي من جهة الأخبار من غير التفات إلى لزوم الدّور والمحظورات الأخر فلا مناص عن الإشكال فإن كان هناك كلام معهم ففي أصل المبنى الَّذي زعموه في المقام وإلَّا فيمكن توجيه أكثر كلماتهم المبتنية عليه مع الإغماض عنه كما لا يخفى قوله قدس سره : فلا يجوز أن يعارضه دليل نقلي وإن وجد إلخ أقول : المراد من عدم الجواز عدم الإمكان كما أن المراد من الظَّهور في قوله ما ظاهره المعارضة الظَّهور النّوعي بحسب اقتضاء وضع اللَّفظ مع قطع النّظر عن ملاحظة الدّليل العقلي القطعي الموجود في المسألة على خلافه ضرورة أنّه لا يبقى ظهور مع قيام القرينة القطعيّة على خلاف أصالة الحقيقة ولو نوعا ومن هنا ذكروا أنّ أصالة الحقيقة والظَّهور من الأصول التّعليقيّة بل التّحقيق أنّ الظَّهور في باب الألفاظ يلاحظ فيه عدم القرينة ولو من جهة كونها مانعة عن مقتضى الوضع فإذا اقتضى البرهان العقلي القطعي عصمة الأنبياء والأولياء والملائكة عليهم السلام فلا محالة يعلم أنّ المراد من قوله تعالى وعصى آدم ربّه وغيره ممّا يقتضي من الآيات بحسب وضعه عدم العصمة وتخطئة الأنبياء بالمعنى الَّذي عرفته خلاف ظاهره وإن لم يتعيّن في حكم العقل معنى مخصوصا وكذا إذا اقتضى مثلا تنزيه اللَّه جلّ جلاله عن الجسميّة فلا محالة يعلم أنّ المراد من قوله تعالى اللَّه نور السّماوات وقوله الرّحمن على العرش استوى خلاف ظاهرهما وكذا الكلام فيما ورد في شأن سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام من كونه عين اللَّه ويد اللَّه وقدرة اللَّه وهو الأوّل والآخر وهو الخالق والرازق إلى غير ذلك وهكذا سائر الآيات والأخبار الواردة في المطالب الَّتي يستشكل العقل في الحكم بخلافها فلا تعارض أصلا والمراد من قوله قدّس سرّه فلا بدّ من تأويله إن لم يمكن طرحه كما في القطعي الصّدور ليس هو تعيّن الطَّرح فيما أمكن الطَّرح إذ المستفاد من مفهوم هذا الكلام عدم تعيّن التأويل عند إمكان الطَّرح لا تعيّن الطَّرح فيجوز ترجيح التّأويل عند الإمكان من حيث تحكيم أدلَّة الصّدور على الدّلالة في مفروض البحث كما هو الحقّ عند شيخنا الأستاذ العلَّامة فيما ستقف عليه في مسألة التّعارض قوله قدس سره : وكلَّما حصل القطع من دليل نقلي إلخ أقول : لا يخفى عليك أن المراد من الزّمان في قوله ليس هو الزّمان الحاصل من حركة الفلك ضرورة كونه من أجزاء العالم بل الزّمان الوهمي فالمراد بالحدوث الزّماني ما في قبال الحدوث الذّاتي الَّذي هو أحد معنيي قدم العالم المبتني على وجود الصّانع بخلاف المعنى الآخر الَّذي يلزم عدم وجود الصّانع فإذا دلّ الدليل الشّرعي من إجماع أو آية أو سنّة قطعيّة على حدوث العالم زمانا لم يلتفت البرهان المغالطي بأنّ العالم معلول لوجود الباري تعالى جلّ شأنه فإذا كان قديما فلا بدّ أن يكون العالم قديما أيضا وإلَّا لزم انفكاك المعلول عن العلَّة والأثر عن المؤثر غاية ما هناك تقدّم وجود الباري تعالى ذاتا على العالم وهو المراد بالحدوث الذاتي فإنّه إذا حصل القطع من الدّليل الشّرعي وهو إجماع جميع أهل الشّرائع الكاشف قطعا عن قول الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أو غيره على حدوث العالم زمانا بمعنى المتقدّم فيمتنع حصول القطع من البرهان المزبور على خلافه فإن أمكن الجواب التّفصيلي عنه بأنّ العلَّة هي إرادة الباري تعالى شأنه وهي وإن رجعت إلى صفة الذّات وهي العلم بالأصلح إلا أنّ المصلحة اقتضت تأخير الإيجاد وتكوين عالم الخلق وإلَّا تقارنت الموجودات السّابقة والمتأخّرة بالحسّ ووجدت جميع أجزاء العالم مع الذّات كما أنّها موجودة بأسرها بالوجود العلمي بوجود الذات فتأمّل ( 1 ) فهو وإن عجزنا عن الجواب التّفصيلي فنقول بعد العلم بالحدوث إنّا نعلم إجمالا ببطلان بعض مقدّمات البرهان وإن لم نقدر على تميز الباطل عن غيره كما يقال بعد العلم بالأمر بين الأمرين في ردّ ما أقاموه على الجبر بأنّ الممكن حال عدم وجود علَّته ممتنع الوجود وبعده واجب الوجود فينتهي إلى علَّة العلل لا محالة فيلزم الجبر بأنّ ما ذكروه شبهة في مقابل البداهة الَّتي اقتضت الاختيار مضافا إلى الجواب التفصيلي الَّذي يطول المقام بذكره وهكذا الكلام في البرهان الَّذي أقاموه على وحدة الوجود بالمعنى المتوهّم المعروف الفاسد لا بالمعنى الصّحيح الَّذي لا مناص عنه وعلى إثبات العقول من حيث إنّ الواحد من جميع الجهات والحيثيّات يمتنع أن يصدر عنه إلَّا الواحد وعلى عدم أفضليّة الأئمّة الاثني عشر سلام اللَّه عليهم أجمعين على أولي العزم من الرّسل من حيث كونهم جامعين لمرتبة النبوّة والولاية المطلقة كما توهّمه من لا خبرة له مع أنّ المذهب على خلافه وقد كثر فيه الأخبار والآثار بحيث بلغت أعلى مرتبة التّواتر ولعمري إنّ هذا التوهّم جهل بمراتبهم ومقاماتهم صلوات اللَّه عليهم كيف وإنّ تفاوت الأنبياء في الفضل من حيث اختلاف سبقتهم في قبول الولاية وإنّ أفضليّة الخليل من حيث سبقته في الإيمان بهم وافتخاره بكونه من شيعتهم ومسألته من اللَّه تبارك وتعالى أن يجعله من شيعة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مضافا إلى وحدتهم
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 37
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٣٧
هامش
( 1 ) أن يقال أنّه على
( 1 ) وجه التأمل أن تقدمه تعالى على جميع مصنوعاته تقدم بالعلية وليس تقدما بالزمان لامتناع إحاطة الزمان به تعالى فنسبة خلق الأول إليه كنسبة خلق الآخر إليه كما إن نسبة خلق الكثير إليه كنسبة خلق الواحد إليه قال تعالى ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة فالترتيب الزماني إنما هو بين الوجودات الزمانية مقيسا بعضها إلى بعضه منه دام ظله