ما ذكره المحقّق القميّ قدّس سرّه في أجوبة مسائله من أنّه سأل عنه بعض معاصريه من الحكماء المتبحّرين في الحكمة الإلهيّة والطَّبيعيّة في طيّ مسائله عنه قدّس سرّه عن الواجب في ركعات الاحتياط من أنّه تسبيح أو فاتحة الكتاب وأنّه كان عمله في برهة من الزّمان على التّسبيح من جهة فتوى مشايخه في الحكمة بتعيين التّسبيح من باب الاحتياط حيث إنّ ركعات الاحتياط بدل عن الأخيرتين وأنت إذا تأمّلت في هذا علمت أنّ مشايخه مع ادّعاء فقاهتهم لم يراجعوا كتب الفقهاء أصلا ولم ينظروا إلى ما ورد في الأخبار من تعيين فاتحة الكتاب فقد شاهدنا من مزاول الحكمة أعظم من هذا
قوله قدس سره : لعدم حصول الظَّن له منها إلى آخره
أقول : هذا فيما كان مبنى اعتباره عند المستدلّ على الظَّن الشّخصي كما إذا قيل بحجيّة الأخبار بشرط حصول الظَّن أو بحجيّة الأصول اللَّفظية بهذا الشّرط كما ذهب إليه جمع فيما سيأتي الإشارة إليه في باب حجيّة الأخبار والظَّواهر إن شاء اللَّه تعالى
قوله قدس سره : قد اشتهر في ألسنة المعاصرين إلى آخره
أقول : لا يخفى عليك أنّ إلغاء قطع القطاع بأيّ معنى أراده القائل به سواء كان صحيحا أو سقيما إنّما هو بالنّسبة إلى ما لم يتعارف حصول القطع منه وإلَّا فلو فرض حصول القطع له بشيء ممّا تعارف حصول القطع منه أي ممّا كان سببا له عادة فلا إشكال في خروج هذا الفرض عن محلّ كلامه كما هو واضح فالحيثيّة ملحوظة في إلغاء القطع كما هو الشّأن في كثير الشّك والظَّن فإنّ عدم اعتبارهما وإلغائهما إنّما هو فيما كان الشّاك والظَّان خارجا عن المتعارف وبالنّسبة إليه خاصّة فإنّ كثرة الشّك بالنّسبة إلى فعل من أفعال الصّلاة أو ركعة منها لا تستلزم كثرته بالنّسبة إلى غيرهما وكذا حصول الظن ممّا لا يفيده عادة أحيانا لا يوجب إلغاءه إذا حصل ممّا يفيده عادة
ثمّ لا يخفى عليك أنّ المراد بعدم اعتبار الشّك في كثير الشّك سواء كان بالنّسبة إلى الأفعال أو الرّكعات إنّما هو بالنّسبة إلى ما يترتّب شرعا على الشّك في باب الصّلاة ممّا يوجب الكلفة على المكلَّف سواء كان في الأفعال أو الرّكعات وإن كان على طبق الأصل لا مطلقا مثلا الشّك قبل الفراغ وقبل الدّخول في الغير موجب في حكم الشّارع للإتيان بالمشكوك وبعده موجب في حكمه بعدم الالتفات إلى الشّك فإذا كان كثير الشك في المحلّ فلا اعتبار بشكَّه وإذا كان كثير الشّك بعد المحلّ فلا يلتفت إلى شكَّه أيضا كما إذا لم يكن كثير الشّك وكذا في الرّكعات سواء كان في الشّكوك المبطلة أو الصّحيحة فإذا كان كثرة الشّك فيما يوجب البطلان فلا اعتبار بشكَّه وكذا إذا كان كثرة الشّك فيما يوجب الصّحة مع لزوم التّدارك يبني على ما ينفعه من دون تدارك وهكذا وأمّا عدم الاعتبار بكثرة الظَّن فالمراد به فيما يترتّب حكم مخالف للأصل على وصف الظَّن لا على سببه كما هو واضح وإلَّا لم يكن كثير الظَّن كما في باب الصّلاة فمعنى إلغائه الأخذ بحكم الشّك والمعاملة معه معاملته كما هو الشّأن في إلغاء الظَّن وعدم اعتباره مطلقا من غير فرق بين أن يكون الحكم في مورد الشّك البطلان كما في الثّنائية والثّلاثيّة والأوليين من الرّباعيّة أو الصّحة مع التّدارك كما في الأخيرتين من الرّباعيّة وبين أن يكون البناء على عدم وجود المشكوك كالشّك قبل الدّخول في غير المشكوك أو البناء على وجود المشكوك كالشّك بعد الدّخول في غيره والدّليل على الإلغاء في الظن الحاصل ممّا لا يفيده
عادة الانصراف المدّعى في الدّليل الَّذي أخذه في موضوع الحكم وأمّا إلغاء القطع فيما إذا حصل ممّا لا يفيده عادة وعدم اعتباره فهل المراد منه بالنّسبة إلى الحكم التّكليفي للقاطع فيما كان القطع طريقا كما استظهره شيخنا الأستاذ العلَّامة قدّس سرّه من كلام فقيه عصره كاشف الغطاء طيّب اللَّه رمسه من حيث إنّه أردف الحكم بإلغائه بإلغاء كثرة الشّك والظَّن المفروض وجود الحكم الواقعي في موردهما وإن ترتّب حكم ظاهريّ عليهما أيضا
فتدبّر أو فيما كان القطع موضوعا أمّا بالنّسبة إلى قطع القاطع في حقّه كما ربما يدّعى بالنّسبة إلى الثّنائية والثّلاثية والأوليين حسبما عرفت الكلام فيه أو بالنّسبة غيره كما في قطع المجتهد بالنّسبة إلى العامي مثلا أو بالنّسبة إلى الحكم الوضعي للقاطع بعد تبيّن الأمر وانكشاف الحال بعد العمل بالنّسبة إلى القطع الطَّريقي أو الموضوعي أو بالنّسبة إلى الحكم التكليفي أو الموضوعي لغير القاطع بالنّسبة إلى القطع الطَّريقي أو الموضوعي فيما إذا التفت إلى حال القاطع وكون قطعه حاصلا ممّا لا يفيده عادة والمراد من إلغائه بالنّسبة إلى القطع الطَّريقي في حقّ القاطع بالنّسبة إلى حكمه التّكليفي قبل الانكشاف على تقدير إمكانه وتعقله معاملة القاطع مع قطعه معاملة غيره ممّن لم يحصل له القطع من سبب قطعه لا العمل بخلاف قطعه ضرورة أنّ منشأ قطعه قد يكون معتبرا في الشّرع وقد لا يكون معتبرا ويكون مؤدّاه على طبق الأصل وبالنّسبة إلى القطع الموضوعي هو عدم ترتيب الحكم الَّذي أخذ العلم في موضوعه فيعامل معاملة غير القاطع كما هو واضح وبالنّسبة إلى حكمه الوضعي هو الإعادة والقضاء بعد انكشاف الخطاء أو بعد الالتفات إلى كونه قطَّاعا بعد العمل ولو لم ينكشف الخطاء كما في القطع الموضوعي هذا والمراد من إلغائه بالنّسبة إلى غير القاطع هو التّسبيب لعدم عمله بقطعه فيما إذا علم بخطائه أو مطلقا كما في القطع الموضوعي في حقّ القطاع إمّا بإزالة قطعه وتنزيله إلى الشّك بتنبيهه إلى حال سببه وكونه مريضا أو بردعه عن العمل به مع وجوده كما في القطع الموضوعي أو الطَّريقي بأن يقال له إن الشّارع لا يريد منك الواقع فيما لو كان غافلا عن علمه بامتناع عدم إرادة الواقع منه حيث إنّ الرّدع على الوجه المذكور يمتنع صدوره عن الحكيم تعالى في حقّ العالم ولو كان جهلا مركَّبا ويمكن صدوره عن غيره بالشّرط المزبور والفرق بينهما في كمال الوضوح أو بغير
ذلك هذا
ثمّ إنّ إلغاءه بالنّسبة إلى الحكم التّكليفي في حقّ القاطع في القطع الطَّريقي بالمعنى الَّذي عرفته فهو غير معقول لما عرفت مرارا من
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 40
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٤٠