تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
في محلَّه وأمّا الَّذي يقتضيه ظواهر الآيات والأخبار فهو أمر آخر وحاصله أنّ استحقاق الأجر والثّواب بحيث يترتب على العمل مشروط بالموافاة لقوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وقوله تعالى مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دينِه فَيَمُتْ وهُوَ كافِرٌ الآية وقوله تعالى فأولئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جدّا فمن كان من أهل الموافات ولم يلبس إيمانه بظلم كان ممّن يستحقّ الثّواب الدّائم الخالد وفي مقابله من كان من أهل الكفر ومات على كفره فإنّه يستحق العقاب الدّائم الخالد مع التّقصير ومن كان ممّن خلط عملا صالحا وآخر سيّئا فإن تاب استحقّ الثّواب إن شاء اللَّه تعالى وإن لم يتب فلا يبطل ثواب إيمانه لأنّه إمّا يستحق ثواب إيمانه أو لا والثّاني باطل عقلا مضافا إلى قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مثقالَ ذرّةٍ خيراً يَرَهُ والأخبار النّاطقة بذلك فتعيّن الأوّل فأمّا أن يثاب ثمّ يعاقب فهو باطل إجماعا لأنّ من أدخل الجنّة لم يخرج منها فيلزم بطلان العقاب أو يعاقب ثمّ يثاب فهو المطلوب الصّحيح ولذا ورد في حقّهم أنّهم يخرجون من النّار كالحمم أو كالفحم فيراهم أهل الجنّة فيقولون هؤلاء الجهنّميون فيؤمر بهم فيغمسون في عين الحياة فيخرجون واحدهم كالبدر في ليلة تمامه هذا وإن شئت بسط القول في ذلك حسبما يساعدنا التّوفيق فاستمع لما يتلى عليك فنقول : إنّ هنا أمورا أربعة أحدها : ما يرجع إلى ما يمنع من تحقّق العمل على الوجه الصّحيح الشّرعيّ الفقهيّ سواء كان من أفعال الجوارح والقلب كالكفر أو إنكار الولاية الخاصّة أو الاعتقاد بخلاف ما يقتضيه أصول المذهب كعصمة الأنبياء والأولياء ونحوها ممّا ثبت عند الإماميّة بناء على ما يقتضيه التّحقيق وعليه أهل الحقّ ونطقت به أكثر الأخبار من كون عبادة المخالف باطلة شرعا لا أن يكون غير مقبولة بناء على إرادة معنى آخر من القبول غير الصحّة كما يظهر من بعض الأخبار في بادي النّظر وسواء تحقّق في ابتداء العمل أو في أثنائه أو بعده كالعجب حيث إنّه إنّما يتصوّر بعد العمل بخلاف الرّياء فإنّه إنّما يتصوّر قبل العمل ولو بالنّسبة إلى الأجزاء فإنّها عمل أيضا بناء على القول بكون العجب مبطلا للعمل بدعوى كون صحّة العمل مراعى بعدم وجوده بعده وهذا كما ترى لا دخل له بمسألة الحبط أصلا إذ مرجعه كما عرفت إلى فقدان شرط صحّة العمل شرعا فوجود العمل كعدمه ضرورة أنّ عدم المانع من وجود العمل على الوجه الصّحيح كوجود ما يوجب عدمه عدمه ولا ينافي ذلك نفي وجوب القضاء ممّن يؤمن بعد الكفر والضّلالة فضلا من اللَّه تبارك وتعالى كما لا يخفى كما أنّه لا ينافي قبح عقابه على الفروع على تقدير قصوره كما هو واضح فافهم ثانيها : ما يرجع إلى ما يمنع من قبول العمل الموجود على الوجه الصّحيح الشّرعي الفقهي سواء كان مقدّما على الفعل أو مقارنا له أو متأخّرا عنه وسواء كان من الأفعال كما ورد في شأن جملة من المعاصي أو من صفات النّفس الَّتي ترجع إلى الفعل أيضا باعتبار كما ورد في شأن جملة من الصّفات الرذيلة وإليه يرجع اشتغال النّفس حال العبادة إلى ما يمنع من الخضوع والخشوع والتوجّه إلى المعبود والأخبار في هذا الباب وإن بلغت من الكثرة حدّ التّواتر بل تجاوزت عن أوّل مرتبته إلَّا أنّ من الظَّاهر الواضح عدم ورودها في بيان شرط صحّة العمل شرعا وإن دلَّت على واجب خلقيّ أو شرعيّ فإنّ وجوب تهذيب النّفس عن بعض الملكات الموبقة والرذائل المهلكة لا يلازم اعتباره شرطا في صحّة العبادة وهذا أيضا كما ترى لا دخل له بمسألة الإحباط إذ مرجعه عند التّأمّل إلى عدم استحقاق العامل ما أعدّ للعمل الصّحيح الغير المجامع لهذه الأمور وإن استحقّ في حكم العقل بعد صحّة العمل شرعا الأجر في الجملة في مقابل من لم يعمل أصلا أو عمل على الوجه الباطل ضرورة عدم إمكان انفكاك صحّة العمل شرعا وتحقق الامتثال عن استحقاق الأجر في الجملة فلا بدّ من أن يحمل جميع ما ورد في هذا الباب لو كان ظاهرا في نفي الأجر رأسا على نفي بعض مراتب الأجر والقرب كما يحمل عليه ما ورد في باب ارتفاع الصّلاة إلى العرش ومقام القبول ومراتبه بحسب اختلاف حالات المصلَّي وصفاته النّفسانيّة وأفعاله الخارجيّة وضيائها وكدورتها في نظر الجملة وأين هذا من مسألة الإحباط وإن هو إلَّا نظير اقتران العمل ببعض الخصوصيات الموجبة لنقص ثوابه من الخصوصيات الزّمانيّة أو المكانيّة أو غيرهما كالصلاة في الحمّام مثلا فإنّه لم يتوهم أحد أنّ هذا يرجع إلى الإحباط وإن توهّمه متوهم وزعمه زاعم فسمّاه به غفلة عمّا فيه البحث فلا جدوى لمعارضته والتكلَّم معه إذ ثبوت هذا المعنى ضروريّ عند العلماء وتواترت به الأخبار ولا ينفيه العقل أصلا بل يحكم به عند التّحقيق في الجملة ثالثها : ما يرجع إلى ما يوجب بطلان أصل الأجر والثّواب مع فرض وجود العمل على الوجه الصّحيح الشّرعي المستحقّ عليه الأجر في الجملة بحكم العقل أي جعله هباء منثورا بعد أن لم يكن كذلك من غير فعل وانفعال وموازنة وهذا هو الحبط المبحوث عنه الَّذي حكموا باستحالته عقلا ويخالف ما حكم الشّارع بالضّرورة على ثبوته من الميزان في يوم الحساب فلا بدّ من أن يحمل ما ورد ممّا يظهر منه خلافه في الشّرعيات على معنى لا ينافي العقل وما حكم به ضرورة النّقل حتّى بالنّسبة إلى ما يكون الحبط به مدلولا للأدلَّة الثّلاثة كالشّرك فإنّه يحمل على معنى كون معصية الكفر والشّرك بمقام يفوق بحسب الوزن جميع الطَّاعات فافهم رابعها : ما يرجع إلى ما يوجب ترجيح أثره عليه إذا كان فائقا وغالبا بعد الفعل والانفعال من الجانبين وهذا أيضا لا دخل له بمسألة الإحباط أصلا وعليه مدار ثبوت الميزان في يوم الحساب ثمّ إنّ هذا بالنّسبة إلى الحبط أي حبط الحسنات بالسّيئات وأمّا عكسه وهو تكفير السّيئات بالحسنات فلا إشكال بل لا خلاف في ثبوته في الشّرعيّات وقد تواتر فيه الأخبار والآثار في الأبواب المتفرّقة بل يمكن
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 34 | ميرزا محمد حسن الآشتياني