إلى العقل في التّوقيفيّات الَّتي لا سبيل للعقل إليها فيكون المراد منها العقول النّاقصة الظَّنيّة لا محالة ويشهد له ما دلّ على خطاء العقول فإنّ القضيّة محمولة على الغلبة ولا تستقيم إلَّا بالنسبة إلى العقول الظَّنيّة كما هو واضح وعلى فرض الظَّهور في الإطلاق لا مناص من حملها على ما ذكرنا بالنّظر إلى ما عرفت مضافا إلى تعارضها على هذا التّقدير لما دلّ على بيان حال العقل وأنّه رسول من اللَّه تبارك وتعالى وأنّه على تقدير الظَّهور ينفي حكومة العقل مطلقا مع أنّ ظاهرهم الالتزام بحجيّته عند عدم التّعارض في الجملة على ما عرفت سابقا
قوله قدس سره : وأمّا نفي الثّواب على التّصدق إلى آخره
أقول : لما كان مدلول الرّواية نفي الثّواب الظَّاهر في انتفاء الحكم في مورد الحكم القطعي البديهي وهو حكمه بحسن الإحسان ولو لم يكن فطريّا فلا بدّ من التّصرف فيه على مذهب الأخباري أيضا حيث إنّهم تسالموا على حجيّته مع عدم المعارض على ما عرفت إمّا بحمله على التّصدق الغير المقرون بالتقرّب وإمّا بالحمل على الحبط بمعنى بطلان التّصدّق كالحجّ من حيث كون الولاية شرطا في صحّة الأعمال لا بمعناه المعروف كما يتراءى من العبارة في بادي النّظر أو على غير ذلك من الوجوه هذا كلَّه على تقدير ظهور الرّواية في نفي الثّواب أصلا ورأسا ويمكن حملها بملاحظة ما ورد في أعمال خير المخالف من كون أجرها للمؤمن نظرا إلى صدورها من طينته المخلوطة بطينة المخالف على نفي الثّواب بالنّسبة إلى العامل فقط فعلى هذا لا يلزم هناك الالتزام بالحبط هذا ولبعض أفاضل المتأخّرين هنا كلام في معنى الرّواية ينبغي إيراده قال قدّس سرّه في فصوله في الجواب عن الاستدلال بالرّواية على نفي الملازمة
وأمّا عن الخامس فبأنّ المتبادر من أعماله الأعمال المذكورة سابقا من الصّوم والصّلاة والصّدقة والحجّ لظهور الإضافة في العهد وظاهر أن ليس للعقل مدخل في ذلك مع أنّ المدار ليس على مشاهدة الدّلالة والحضور عند وقوعها بل على الاطَّلاع عليها ولو بما يكشف عنها كالخبر والإجماع ولا ريب أنّ العقل أيضا كذلك فإنّه إذا كشف عن الواقع كشف عن وقوع دلالة الوليّ إليه فإذا عمل به من حيث كونه دالَّا إليه كان عمله بدلالته على أنّ نفي الثّواب لا يستلزم نفي العقاب ويكفي ثبوته في إثبات حقيقة الوجوب والتّحريم انتهى كلامه رفع مقامه وفيه أنظار غير مخفيّة على المتأمّل سيّما في نفي حكم العقل عن الأمور المذكورة في الرّواية حتّى التّصدّق بجميع المال مع كونه إحسانا محضا ضرورة أنّه لا ينافيه قصد التّقرب عند دفع المال هذا وله كلام آخر في معنى الرّواية في مسألة عبادة الجاهل في باب التقليد حيث قال ما هذا لفظه
واعلم أنّه قد يستدلّ على الاشتراط بصحيحة زرارة المتقدّمة في الأدلَّة العقليّة حيث تضمّنت أنّ من لم يوال وليّ اللَّه ولم يكن جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللَّه حقّ في ثوابه ولم
يكن من أهل الإيمان ووجه الاستدلال أنّ العامل الَّذي أخذ أحكامه بغير الطَّرق الشّرعيّة ليس عمله بدلالة وليّ اللَّه لأنّه إنّما يدلّ إلى الأخذ بالطَّرق المعتبرة فلا يستحق الثّواب على ما أفاده الرّواية وهو يستلزم الفساد والجواب أنّ هذه الرّواية غير واضحة الدّلالة على المراد لأنّه إنّما نفى استحقاق الثّواب في حقّ من لم يوال وليّ اللَّه ولم يكن عمله بدلالته إليه وهو لا يقتضي نفي الثّواب في الموالي الَّذي لا يكون عمله بدلالته إليه إذا الظَّاهر من اللَّفظ اعتبار الأمرين معا في الشّرطية
لا يقال يكفي في ترتيب الحكم المذكور عدم الموالاة فلو لا استقلال العمل بغير دلالته عليه بذلك لكان اعتباره في الشّرطية لغوا
لأنّا نقول ينافي اعتبار الاستقلال حكمه بعدم الإيمان فإنّ الإجماع قائم على إيمان الموالي الَّذي عمل بغير دلالته لا سيّما مع الغفلة إلى أن قال ويمكن أيضا جعل الحكم الأوّل مترتّبا على كلّ من الأمرين على الاستقلال والثّاني مترتّبا على الأوّل خاصّة فيدلّ على نقيض المدّعى لكنّه بعيد عن ظاهر اللَّفظ جدّا إلى أن قال سلَّمنا لكن نقول ليس في نفي استحقاق الثّواب دلالة على نفي صحّة العمل بمعنى إسقاط القضاء كما هو محلّ البحث ولا عدم ترتّبه تفصيلا إلى أن قال ويمكن أن يجاب أيضا بأنّ الطَّرق الغير المعتبرة معتبرة في حقّ العامل المعتقد بكونها طرقا معتبرة لامتناع كونه حينئذ مكلَّفا بغير ذلك انتهى ما أردنا نقله من كلامه وفيه أبحاث يطول المقام بذكرها فلعلَّها غير مخفيّة على المتأمّل سيّما في جعل الاعتقاد بالاعتبار مؤثرا في الاعتبار وإن كان هذا الكلام غير متعلَّق بالمقام وجعل نفي استحقاق الثّواب غير ملازم لنفي الصحّة مع أنّك قد عرفت سابقا أنّ الصّحة الشّرعيّة ملازمة لاستحقاق الثّواب
قوله قدس سره : لكنّا إذا علمنا إجمالا إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ العلم بصدور الأحكام عن الحجّة مطلقا أو فيما يعمّ به البلوى لا ينافي ما سيذكره قدّس سرّه من دعوى العلم بكون كثير من الأحكام مخزونا عند أهله لأنّ الصّدور عن الحجّة لا يستلزم البلوغ إلى النّاس فلعلّ النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله أودعه عند الوصيّ والوصيّ عند الأوصياء والبلوغ إلى النّاس في الجملة لا يستلزم البلوغ إلينا
ثمّ إنّ قوله صلى الله عليه وآله في حجّة الوداع وإن كان ظاهرا في تبليغ الواجبات والمحرّمات إلَّا أنّه يعلم بعد التّأمّل أنّ ذكرهما من باب الاهتمام وقطع العذر مضافا إلى أنّ المدّعى يتمّ على التّخصيص أيضا لأنّا نفرض حكم العقل على وجه الإلزام
قوله قدس سره : وأوضح من ذلك كلَّه إلخ
أقول : مضمون الرّواية وإن كانت معاضدة بما تواتر في باب العمل بالقياس إلَّا أنّ سندها ضعيف فلو لا ضعف السّند لكانت دليلا على عدم حجيّة الأولويّة الظنيّة كالقياس المستنبط العلَّة على وجه الظَّن هذا وسيجئ بعض الكلام فيما يتعلَّق بالمقام بعد هذا إن شاء اللَّه
قوله قدس سره : وقد أشرنا هاهنا وفي أوّل المسألة إلخ
أقول : قد يناقش فيما أفاده بعدم الإشارة إلى هذا المطلب في أوّل المسألة والأمر في ذلك سهل والَّذي يدلّ على صدق ما أفاده قدّس سرّه من عدم جواز الخوض إلى آخره
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 39
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٣٩