تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
من الدّليل الإجمالي بهذا المعنى فالإجمال وصف للمقدّمات باعتبار عدم تمايزها وانفصال بعضها عن الآخر في العقل وهو المكتفي به في أصول الدّيانات كما عليه المحقّقون وهو المراد من أصحاب الجملة في كلام شيخنا أبي جعفر الطَّوسي قدّس اللَّه نفسه الزّكيّة وطيّب تربته الشّريفة في العدّة كما ستقف عليه في بحث حجيّة الأخبار الَّذين لا طريق لهم إلى المعرفة إلَّا المجملات المركوزة في جبلَّة نفوسهم بل يمكن أن يقال إنّ المعلوم الحاصلة للخواصّ أيضا قد حصلت غالبا في ابتداء الأمر من هذا الدّليل الإجمالي وإن حصل لهم التمكَّن من إقامة البرهان والدّليل التّفصيلي بعد بلوغهم مقام العلم والاطَّلاع على قوانين البرهان وشرائطه وترتيب الطَّبيعي بين مقدّماته هذا وقد يقال إنّ المراد من أصحاب الجملة في كلام الشّيخ قدس سره من حصل لهم المعرفة بالإدراك البسيط الحاصل لكلّ أحد في أصل فطرته في مقابل الإدراك المركَّب وهو المعرفة الحاصلة بالاستدلال كما يحصل للعقلاء المتفكَّرين في الصّفات والآثار فهي ليست ممّا يحصل للجميع وعليه مدار التّفاضل بين العلماء والمراتب بين النّاس وقد قيل في نظم الفرس دانش حق ذوات را فطريست * دانش ذاتش است كان فكريست هذا وعليه يحمل ما ورد من الأخبار والآثار الَّتي ادّعي دلالتها على كون معرفة اللَّه تعالى فطريّة فإن مجرّد عرفان الرّب بالإدراك البسيط الفطري المركوز في نفوس الحيوانات فضلا عن الإنسان بمعنى العلم بأنّ للمربوب ربّا لا ينكر كونه أمرا قهريّا فلا يتعلَّق به التكليف إلَّا أنّ المراد من المعرفة المأمور بها في الآيات والأخبار الَّتي تكون غاية للخلق مرتبة أعلى منها غير حاصلة قهرا بالقطع واليقين فإنّ المكتفي به من معرفة الرّب كما ستقف على تفصيل القول فيه في العقائد العلم بأنّه واجب الوجود لذاته وبصفاته الثّبوتيّة والسّلبيّة ومن الواضح أنّ معرفة الرّب بهذا المعنى ليست فطريّة قطعا هذا مضافا إلى أنّ المعتبر في الأصول ليس عرفان الرّب جلّ اسمه فقط بل عرفان النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وغيره ممّا يعتبر في أصول الدّيانات ودعوى كون جميع ذلك فطريّا قهريّا كما ترى فالواجب أوّلا المعرفة ثمّ الإقرار والشّهادة هذا كلَّه مضافا إلى أن النّزاع في تعيين أوّل الواجبات قليل الجدوى كما لا يخفى قوله فليت شعري إذا فرض إلخ أقول : العجب كلّ العجب ممّا ذكره هؤلاء المشايخ من أصحابنا الأخباريّين من فرض التّعارض إذ هو أفحش من القول بعدم حجيّة القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة ضرورة امتناع حصول القطع بالمتنافيين كالقطع بأحدهما والظَّن بالآخر والظَّن بهما فعلا اللهمّ إلَّا أن يكون المراد تقابل السّببين لا الوصفين فيخرج عن محلّ الفرض قوله قدس سره : إلَّا أنّه صرّح بحجّية العقل الفطري إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّ المراد من العقل الفطري في كلامه وكلام غيره هو أوّل البديهيّات وأبدهها بحيث يكون مركوزا في النّفوس والجبلَّة الإنسانيّة فلا يخلو عاقل عنه بالنّظر إلى فطريّة وقد عرفت أنّ حجيّة مطلق البديهي ليس محلَّا للإنكار عند غيره من الأخباريّين فضلا عن الفطري الخالي عن شوائب الأوهام بل المستفاد من كلامه المحكي في الكتاب صريحا هو حجيّة مطلق البديهي عند عدم التّعارض فيوافق من تقدم فلا كلام عندهم في حجيّة البديهي بأقسام بل قد يقال إنّ مقتضى إطلاق كلامه حجيّة العقل النّظري أيضا عند عدم التّعارض قوله قدس سره : نعم يبقى الكلام أقول : كما في الأمور الاعتقاديّة الغير المتوقّفة على التوقيف من صاحب الشّرع سواء كانت من الأصول الاعتقاديّة أو الأخلاق أو غيرهما قوله قدس سره : والعجب ممّا ذكره إلخ أقول : ما أفاده قدّس سرّه إنّما هو مع الإغماض عمّا يرد على هؤلاء من عدم إمكان التّعارض بين القطعين على ما عرفت سابقا وظاهره كما ترى الاعتراض من وجهين أحدهما : عدم إمكان التّرجيح بين القطعين مع إمكان فرض التّعارض ثانيهما : عدم الدّليل على التّرجيح المذكور على تقدير الإمكان ولمّا كان بناؤهم في باب التّعارض التّرجيح بخصوص ما ورد التّرجيح به في الشّرع فلا محالة يتوجّه عليهم مطالبة الدّليل على التّرجيح المذكور فإذا لم يكن هناك دليل عليه كما هو واضح فلا معنى للتّرجيح وأمّا عدم تصوّر التّرجيح فربما يناقش فيه على تقدير تسليم إمكان التّعارض والإغماض عمّا ذكره سابقا من عدم إمكانه ضرورة أنّه يمكن التّرجيح بما ذكره وغيره مثل التّرجيح بالقوة والضّعف لاختلاف مراتب القطع في الضّروريات والنّظريات جدّ أو من هنا قد يحمل كلامه هذا على عدم إمكان التّرجيح من جهة عدم إمكان التّعارض وأمّا حمل كلام المحدّث على إرادة مطلق التّقديم من التّرجيح ولو لم يكن المرجوح حجّة عند التّعارض لعدم مساعدة دليل اعتباره عليه لا التّرجيح المذكور في باب تعارض الأدلَّة فيقال في وجه التّرجيح عند تعارض العقل الغير المؤيّد بالنّقل مع النّقل أنّ دليل اعتبار العقل لا يساعد عليه في مقابل النّقل وإنّما يدلّ على اعتباره فيما لم يكن هناك نقل على خلافه وفي وجه ترجيح العقل المؤيّد على العقل الغير المؤيّد أنه ليس من باب التّرجيح بل من جهة سقوط العقل المقابل بالنّقل فيعود العقل المؤيّد سليما فيتوجّه المناقشة على الاعتراض الثّاني كالاعتراض الأوّل ففاسد جدّا إذ مع كونه خلاف ظاهر التّرجيح لا ينفع فيما لو تعارض العقل المؤيّد مع النّقل كما هو واضح اللَّهمّ إلَّا أن يلتزم بسقوط النّقلين المتعارضين والرّجوع إلى العقل لسلامته عن المعارض فافهم قوله قدس سره : وأعجب من ذلك إلخ أقول : لعلّ الوجه في الاستشكال في تعارض العقليّين من دون تأييد أحدهما بالنّقل الإشكال في شمول دليل الحجيّة صورة تعارض خصوص تعارض العقليّين وإطلاقه لها وهذا مع الإغماض عن جميع ما يرد عليهم في المقام والتّسالم على ما زعموا لا سترة فيه إذ التّساقط مبنيّ على القطع بعدم الشّمول ومنه ينقدح