بكونه من ضروريّات الدّين بل هو ممّا قضى به ضرورة العقل أيضا في الجملة كما هو في التّوبة ومرجعه كما ترى إلى العفو عمّا يستحقّه بالمعصية بسبب الطَّاعة لطفا أو فضلا من اللَّه تبارك وتعالى لا إلى العفو من دون أمر يوجبه ولا إلى عدم استحقاق العقوبة حتّى ينافي حكم العقل والشّرع باستحقاق العاصي للعقوبة بل ينافي معنى التّكفير كما لا يخفى أو إلى رفع الاستحقاق بعد فرض ثبوته حتّى ينافي حكم العقل أيضا فتدبّر هذا
وأمّا مسألة تجويز السّهو على النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله بإسهاء اللَّه تعالى كما في بعض الأخبار الواردة في صلاة غداته صلى الله عليه وآله ففيه مع منافاته لما ورد في شأنه صلى الله عليه وآله من الآثار والأخبار المتواترة فيخرج من مسألة تعارض النّقل الظَّني مع العقل القطعي أنّه كيف يجوّز العاقل الخطاء والسّهو في حقّ من كان قلبه الشّريف أتم القلوب صفاء وأكثرها ضياء وأعرفها عرفانا مقبلا بقلبه الشّريف إلى جانب قدسه في تمام عمره ومتوجّها بكلَّيته إلى ساحة عزّ حضوره وإن كان مأمورا بتشريع الملَّة وتأسيس السّنة بل مائلا إلى حظوظ النّفس فإنّه لا يزاحمه التّوجّه إلى عالم الأحديّة والحضرة اللَّاهوتيّة حيث إنّه تعالى شأنه قد شرح صدره الشّريف ورفع عنه الوزر والمنقصة الإمكانيّة بإعطاء هذه الموهبة الكبرى والمرتبة الزّلفى ومن هنا قيل في نظم الفرس
جمع صورت با چنين معنى ژرف * نيست ممكن جز ز سلطان شگرف
وكيف يسع لأحد بعد ذلك تجويز هذه التّرهات الواهية عليه صلى الله عليه وآله فليس الوجه فيه إلَّا عدم المعرفة بما أعطاه اللَّه تعالى فضلا منه عليه صلى الله عليه وآله وإن كنّا أيضا لا نعرفه بجميع شؤونه وحالاته ومقاماته ومراتبه العالية كما لا نعرف ربّنا بكنهه وحقيقته ومن هنا قال علماء المذهب شكر اللَّه مساعيهم إنّ السّهو نقص وعيب لمن اعتراه سواء كان من السّاهي أو غيره ومن هنا قال السّيد علم الهدى في محكيّ كلامه قدّس اللَّه سرّه الشّريف بعد ما ذكر تبعا لشيخه المفيد قدّس سرّه إنّ الأخبار الواردة في السّهو من الآحاد الَّتي لا يوجب علما وعملا في طيّ الاعتراض على ما يحكى من الشّيخ الصّدوق طاب ثراه تبعا لشيخه ابن الوليد من أنّي أحتسب الأجر في تأليف رسالة مفردة في إثبات السّهو بأنّ الحمد للَّه الَّذي لم يوفّقه لذلك هذا
ولعمري إنّ المسألة قد بلغت من الظَّهور والوضوح في هذه
الأعصار إلى حدّ يقرب من الضّروري بحيث كان مخالفها ارتكب أمرا منكرا عند العلماء وإن وضعوا في ذلك رسائل وصنعوا فيه دفاتر حتّى رفعوا هذه الإساءة والعار عن نبيّهم المختار صلى الله عليه وآله فلا يحتاج إلى بسط القول في ذلك بما يخرج عن وضع التّعليقة ولولا مخالفة الكلال وضيق المجال لأشبعت المقال مع ذلك فلعلّ هذا القدر كاف لمن ألقي السّمع وهو شهيد
وأمّا مسألة الإرادة فالتّحقيق أنّه لا خلاف بين العقل والشّرع فيها لأنّها إن فسّرت بالقصد إلى أحد طرفي الممكن بمعنى الجزم بإيقاعه الَّذي هو المقدّمة الأخيرة من مقدّمات الفعل الاختياري المسبوق بالعزم والشّوق والهمّ والميل والعلم التّصديقي والعلم التّصوّري بالفعل ومنفعته وكيفيّة إتيانه فهي ممّا لا مسرح له بالنّسبة إليه تعالى لأنّها من صفات المخلوقين الصّادرة عنهم الأفعال الاختياريّة على الوجه المزبور إذ هي بهذا المعنى كيفيّة نفسانيّة تحدث عقيب تصوّر الشّيء الملائم والتّصديق بثبوته ونفعه تصديقا علميّا أو جهليّا أو ظنيّا أو تخييليّا راجحا وربّما يحصل ذلك التّصديق الرّاجح بعد تردّد واستعمال رويّة فإذا بلغ حدّ الرّجحان وقع العزم الَّذي هو الإرادة فإذا حصلت يصدر الفعل لا محالة ويبدو صورته في الخارج وإن فسّرت بالدّاعي إلى اختيار أحد الطَّرفين المفسّر بالعلم بالنّفع والأصلح كما عليه جمهور المتكلَّمين منّا ومن العامة منهم المحقّق الطَّوسي قدّس سرّه في التّجريد فهي عين ذاته تعالى لرجوعها إلى العلم الَّذي هو عين الذّات كالكراهة فإنّها يرجع إلى الذّات أيضا وإن فسّرت بالمحبّة كانت من صفات الذّات أيضا لأنّ حبّه تعالى لنفسه عين ذاته وإن فسّرت بنفس إيجاد الشّيء وفعله أو ما يرجع إليه فهي من صفات الأفعال لا محالة ولا بدّ من أن يرجع إلى هذا التّفسير بعض الأخبار الواردة الدّالة بظواهرها كونها من صفات الفعل وأنّ إرادته تعالى إحداثه فإنّه إذا أراد لشيء أن يقول له كن فيكون بلا لفظ ولا نطق ولا همّة ولا تفكَّر ولا كيف كما أنّه لا بدّ من أن يرجع إلى أحد الأوّلين قول الحكماء والمتكلَّمين بأنّه عين الذات فلا خلاف ولا إشكال في المسألة بعون اللَّه تعالى ومنّه هذا
وأمّا مسألة تعيين أوّل الواجبات فإنّه وإن دلَّت جملة من الأخبار الواردة في بيان حدّ الإيمان الواجب على العباد على كون الواجب الإقرار والشّهادة بالعقائد الحقّة من غير تعرّض لاعتبار المعرفة بل قد يدّعى دلالة بعض الأخبار على نفيه كقوله عليه السلام في جواب السّائل هل كلَّف النّاس بالمعرفة لا على اللَّه البيان إلَّا أنّها معارضة بالآيات والأخبار الكثيرة الدّالة على وجوب الاعتقاد والمعرفة فيجمع بينهما بإيجاب الأمرين معا وإن كان الأحكام الدّنيويّة للإسلام مترتّبة على إظهار الاعتقاد والشّهادة في صدر الإسلام مع العلم بعدم الاعتقاد والمعرفة بل الاعتقاد بالخلاف كالمنافق المظهر للشّهادتين وأمّا ما دلّ على نفي التّكليف بالمعرفة فالمراد منه إمّا بعض مراتبها المتعذّر في حقّ النّاس أو المعرفة التّفصيليّة الحاصلة من الدّليل التّفصيلي المنسوب إلى الفصل والامتياز بين الأشياء في قبال الدّليل الإجمالي المنسوب إلى الإجمال من إجمال بمعنى الجمع فإنّ لنسبة الدّليل إلى الإجمال وإن كانت اعتبارات شتّى يختلف بملاحظتها المعنى إلَّا أنّ المراد منه في المقام كون مقدّمات الدّليل مجملة غير متمايزة حاضرة في النّفس من دون تفصيل وتميز بين الصّغرى والكبرى فيها وإن كانت موجبة للتّأثير في النّتيجة لكنّه يعتبر التّلفظ بهما وإجرائهما على اللَّسان على الوجه المقرّر في المنطق كما هو الغالب في العوام حيث إنّ علومهم النّظريّة حاصلة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 35
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٣٥