الحكم بالصّحة إلَّا من جهة توافق الأفهام واستنباط مطابقته للواقع من قبيل الاستنباط من الإجماع وإفادته العلم في الأمور العقليّة محلّ إشكال وعلى فرضه ليس أقوى من سائر الضّروريات فكيف يجعل معيارا لحجّية غيرها من البديهيّات انتهى كلامه رفع مقامه
أقول : الظَّاهر إرادة المعنى الثّاني والمرجع في تحصيله وتشخيصه وإن كان هو الحدس القطعي إلا أنّ الوجه في تخصيصه بالاعتبار عندهم حمل ما ورد في باب حجيّة حكم العقل عليه ولو من جهة الجمع بينه وبين ما ورد على المنع أو دعوى قلَّة الاشتباه والخطاء في البديهيات وإن كان المرجع في تحصيلها الحدس القطعي فتدبّر
نعم ؛ الإيراد عليهم بعدم تعقل الفرق في الاعتبار بين العقل البديهي والنّظري المنتهي إليه بعد حصول العلم منهما لا رافع له ولو أريد عدم حصول القطع من الثّاني كما قد يذهب إلى بعض الأوهام فهي مكابرة صرفة كالايراد عليهم بعدم إمكان التّعارض بين القطعيّين وكذا بين القطعي والظَّني بأقسامهما بل والتعبدي بقسميه بل عدم إمكان التّعارض على مذهبهم أيضا بعد البناء على عدم حجيّة العقل النّظري في نفسه كما هو واضح وعدم الدّليل على التّرجيح المذكور على مذهب الأخباريّين على فرض إمكان التّعارض اللَّهمّ إلَّا أن يكون مراده من التّعارض مجرّد التّقابل ولو لم يكن أحد المتقابلين حجّة ومن الترجيح تقديم أحد المتقابلين بالمعنى الأعمّ فتأمّل
قوله قدس سره : لا يحضرني شرح التّهذيب إلخ
أقول : قال في محكيّ شرح التّهذيب في مقام تعداد الفروغ المتفرّعة على الأصل الَّذي تخيّله من تقسيم النّقل ولو لم يكن قطعيّا على العقل النّظري القطعي على ما يقتضيه إطلاق كلامه
منها مسألة الإحباط فإنّ أكثر علمائنا رضوان اللَّه عليهم قد أقاموا الأدلَّة القطعيّة على نفيه مع أنّ الأخبار والآيات دالَّة عليه
ومنها مسألة إسهاء اللَّه نبيّه في الصّلاة وحدها فإنّ الأخبار قد استفاضت في الدّلالة عليه وقد عمل بها الصّدوق قدّس سرّه وأنكره أصحابنا اعتمادا على بعض الأمارات العقليّة
ومنها مسألة الإرادة فإنّ المتكلَّمين من أصحابنا قد أقاموا البراهين العقليّة على كونها عين الذّات وقد وردت في الأخبار المستفيضة أنّها زائدة عليها وأنّها من صفات الأفعال وذهب إليه شيخنا الكليني وقد عنون بابا في أصول الكافي في زيادة الإرادة على الذّات
ومنها تعيين أوّل الواجبات فذهب الأكثر إلى أنّه معرفة اللَّه تعالى إذ هي أصل العقائد والمعارف الدّينيّة وعليه يتفرّع كلّ واجب من الواجبات الشّرعيّة وذهب بعضهم إلى أنّ أوّل الواجبات هو النّظر فيها لأنّه واجب اتّفاقا وهو قبلها وهو مذهب المعتزلة والأوّل مذهب الأشاعرة وقيل هو أوّل جزء من النّظر لأنّ وجوب الكلّ يستلزم وجوب أجزائه فأوّل جزء من النّظر واجب ومقدّم على النّظر المقدّم على المعرفة واختار ابن الحاجب وإمام الحرمين أنّه القصد إلى النّظر لأنّ النّظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المقدّم على أوّل أجزائه قال بعض المحقّقين وهذا النّزاع لفظي إذ لو أريد الواجب بالقصد الأوّل أي أريد أوّل الواجبات المقصودة أوّلا وبالذات فهو المعرفة اتّفاقا وإن أريد الواجب مطلقا فالقصد إلى النّظر لأنّه مقدّمة للنّظر الواجب مطلقا فيكون واجبا أيضا
والحاصل أنّهم أقاموا الأدلَّة العقليّة على أنّ أوّل الواجبات هو المعرفة باللَّه تعالى وعليه أكثر المحقّقين من الإماميّة وأمّا الأخبار فقد استفاضت بل تواترت بأنّ معرفة اللَّه تعالى المجملة وهي أنّه خالق للعالم وأنّه قادر حكيم ونحوها من الأمور الفطريّة الَّتي وقعت في القلوب بإلهام فطريّ إلهيّ وذلك نظير قول الحكماء إنّ الطَّفل معلَّق على ثدي أمّه بإلهام فطريّ إلهيّ فلم يتعلَّق بالمكلَّف وجوب إلَّا بعد بلوغ خطاب
الشّارع ومعرفة اللَّه قد حصلت لهم بعد بلوغ الخطاب بطريق الإلهام بل قيل إن كلّ من بلغه دعوة النّبي صلى الله عليه وآله يقع في قلبه من اللَّه تعالى يقين بصدقه لما تواترت به الأخبار من قولهم ما من أحد إلَّا ويرد عليه الحقّ حتّى يتصدّع قلبه فعله أو تركه فأوّل الواجبات هذا الإقرار اللَّساني بالشّهادتين على ما في الرّوايات انتهى كلامه رفع مقامه
أقول : بعد ظهور فساد ما بني عليه المسائل المتفرّعة وإن لم يكن هناك ما يوجب التكلَّم فيها إن كان مبناها منحصرا فيما كان ذكره من العقل في مقابل النّقل إلَّا أنّه لا بدّ من التكلَّم فيها لكي يعلم أنّ حكم العقل فيها معاضد بالنّقل أو أنّ النّقل لا يدلّ على ما زعمه
فنقول : أمّا الإحباط فالَّذي يظهر من الآيات والأخبار الواردة فيه عند التّأمّل أنّهما لا تدلَّان على المعنى المختلف فيه عند المتكلَّمين فإنّ الوعيديّة وهم الَّذين لا يجوّزون العفو عن الكبائر اختلفوا على قولين
أحدهما : قول أبي علي الجبائي وهو أنّ الاستحقاق الزّائد يسقط النّاقص ويبقى بكماله كما لو كان أحد الاستحقاقين مثلا خمسة والآخر عشرة فإنّ الخمسة تسقط وتبقى العشرة وهذا وهو المراد بالإحباط عندهم ويسمّى به وأنت خبير بأنّ شيئا من الآيات والأخبار لا يدلّ على ثبوت هذا المعنى حتّى الإحباط بالشّرك والارتداد الَّذي دلّ عليه الأدلَّة الثّلاثة
ثانيهما : قول أبي هاشم ابنه وتابعيه وهو أنّه يسقط من الزّائد ما قابل النّاقص ويبقى الباقي ففي المثال المذكور يسقط الخمسة ويبقى الخمسة وهذا المعنى يسمّى عندهم بالموازنة ولا دخل له بالإحباط وإن أبطله كثير من محققي المتكلَّمين أيضا بأنّ ذلك موقوف على وجود الإضافات في الخارج كالأخوّة والنبوّة ونحوهما وهو محال لأنّها لو كانت موجودة في الخارج مع أنّها أعراض مفتقرة إلى المحلّ يكون لها إضافة إلى ذلك المحلّ لا محالة فيقال فيها كما قلنا في الأوّل فيلزم التّسلسل وهو باطل فيلزم منه بطلان وجودها في الخارج لأنّ ما بني على الباطل باطل وقول الحكماء بوجودها لا يلزم الالتزام بوجودها في الخارج بل يكفي الالتزام بوجودها في الذّهن والعقل هذا ما تقتضيه كلمة المتكلَّمين وتفصيل القول في ذلك وتحقيق البحث فيه
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 33
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٣٣