تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢

تغيّرت أبعاده مع بقاء اتّصال واحد فغير مسلَّم فإنّ الشّمعة المتبدّلة الأشكال لا تخلو عن تفرّق اتّصال وتوصّل افتراق فالمطوّلة منها إذا جعلت مستديرة تجمع فيها أجزاء كانت متفرّقة والمدوّرة إذا جعلت مستطيلة تفرق فيها أجزاء كانت متّصلة فاتّصال واحد مستمّر مع تفرّق الاتّصالات وتقطع الامتدادات كيف يكون صحيحا مع أن الاتّصال الَّذي يبطله الانفصال ثمّ يعود مثله بعد زوال الانفصال لا شكّ في عرضيّته لأنّ الجسم عند توارد الانفصال والاتّصال عليه باق بماهيّته ونوعيّته لا يتغيّر فيه جواب ما هو وكلّ ما لا يتغيّر بتغيّره جواب ما هو عن شيء فهو عرض لا محالة فالاتصال الَّذي يبطله الانفصال عرض هذا وأجيب عن قبل المشّائين بأنّ الجسم من حيث هو جسم لا يتصوّر بدون قابليّة الأبعاد الثّلاثة على نعت الاتّصال ولذا حدّوه بها ولو لم يكن متّصلا في مرتبة ذاته لم يصحّ قبوله للمقدار كما قال الشّيخ الرّئيس في الحكمة العلائيّة الفارسيّة ( جسم جوهر در حدّ ذات پيوسته است اگر گسسته بودى قابل ابعاد نبودى ) والحاصل أنّ نفس ذات الجسميّة بما هي هي لم تكن متّصلة في مرتبة جوهر الحقيقة بل كان اتصالها من قبيل العارض كانت بحسب الوجود إمّا من المجرّدات عن الجهات والأبعاد وإمّا متألَّفة الذّات من الجواهر المفردة متناهية أو غير متناهية ثمّ يعرضها التّعلَّق بالأحياز والجهات ويلحقها الاتّصال وقبول الانقسام لا إلى نهاية في مرتبة ثانية وكلاهما باطلان فقابليّة الأبعاد إنّما تتصوّر إذا كانت متّصلة بالذّات وثابتة في مرتبة ذاتها فهو جوهر لا محالة فثبت الاتصال الجوهري وأمّا قوله إنّ الاتّصال الَّذي يبطله الانفصال عرض ففيه أنّ بقاء الجسميّة بنوعيّته في حالتي الاتّصال والانفصال لا ينافي كونه متّصلا جوهريّا وإنّما ينافي لو بقي بشخصه في تينك الحالتين وليس كذلك وأمّا قوله إنّ كلّ ما لا يتغيّر بتغيّره جواب ما هو فهو عرض ففيه أنّه إنّما يصحّ لو يتغيّر بتغيّره أشخاص الجوهر وأمّا إذا تبدّلت الأشخاص بتبدّل ذلك الشّيء فلا يلزم عرضيّته كما أنّ استمرار طبيعة نوعيّة وحفظها بتوارد تلك الأشخاص لا ينافي جوهريّة تلك الأشخاص هذا وقد خرجنا بذلك عن وضع التّعليقة بل عن الفنّ إلَّا أنّه لرجاء وقوف أوائل المحصّلين على بعض المطالب تعرّضنا له وإن لم يكن من شأني القاصر قوله قدس سره : والمستفاد من كلامه إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّه إذا كان محلّ كلامه في النّظريّات فلا بدّ أن يكون الضّروريات خارجة عن محلّ كلامه وقد ذكر المحقّق المحشّي قدّس سرّه بعد نقل ما عرفت ما هذا لفظه والمستفاد من كلامه عدم حجيّة إدراكات العقل في غير المحسوسات وما يكون مباديه قريبة من الإحساس بل وفيما يقطع به على سبيل البداهة إذا لم يكن محسوسا أو قريبا إذا لم يكن ممّا توافقت عليه العقول وتسالمت فيه الأنظار وقد استحسن ما ذكره غير واحد ممّن تأخّر عنه وممّن نصّ عليه الفاضل الجزائري إلى آخر ما حكاه عنه مطابقا لما حكاه في الكتاب وأنت خبير بأنّ التقييد المذكور في كلام شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره بقوله إذا لم يتوافق عليه العقول ليس موجودا في كلام الجزائري بل ولا حكاه عنه غيره وإنّما هو أمر استفاده المحقّق المحشّي من كلام الأمين الأسترآبادي ( 1 ) بل صريح كلام الجزائري حجيّة العقل البديهيّ وهو مقتضى كلام الأمين الموافق له بل قد تقدّم في كلام شيخنا الموافق لكلام الشّيخ المحشّي أنّ محلّ كلام الأمين في غير الضّروريّات وهو كما ترى لا يجامع استفادة عدم حجيّة العقل البديهي في غير ما توافقت عليه العقول هذا بل ظاهر كلام الأمين بل صريحه أنّ محلّ كلامه في العقل الظَّني فإنّه قال في الدّليل الرّابع ما هذا لفظه إنّ كلّ مسلك غير ذلك المسلك إنّما يعتبر من حيث إفادته الظَّن بحكم اللَّه تعالى وقد أثبتنا سابقا أنّه لا اعتماد على الظَّن المتعلَّق بأحكام اللَّه تعالى أو نفيها انتهى كلامه رفع مقامه وقال أيضا بعد قوله المحكيّ في الكتاب وإن تمسّكنا بغيره لم نعصم عنه ما هذا لفظه ومن المعلوم أنّ العصمة عن الخطاء أمر مطلوب مرغوب فيه شرعا وعقلا ألا ترى أنّ الإماميّة استدلَّت على وجوب عصمة الإمام بأنّه لولا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتباع الخطاء وذلك الأمر محال لأنّه قبيح عقلا وأنت إذا تأمّلت في هذا الدّليل علمت أنّ مقتضاه أنّه لا يجوز الاعتماد على الدّليل الظني في أحكامه تعالى أصلا إلى آخر ما ذكره وقال أيضا في طيّ الفائدة الَّتي ذكرها تأييدا للدليل المذكور بعد جملة كلام له ما هذا لفظه وبالجملة سبب الاختلاف إمّا إجراء الظن مجرى القطع أو الذّهول والغفلة عن بعض الاحتمالات أو التّردد والحيرة في بعض المقدمات ولا عاصم عن الكلّ إلَّا التّمسك بأصحاب العصمة صلوات اللَّه عليهم انتهى ما أردنا نقله وهذه الكلمات كما ترى تنادي بأنّ محلّ المنع في كلامه العقل الظَّني حتّى أنّه منع في طيّ كلامه عن التمسك بالدّليل الظَّني السّند أو الدلالة فراجع إلى ما ذكره في المقام فإنّ فيه مواضع أخر يكشف عمّا استظهرناه تركنا نقلها خوفا من الإطالة ثمّ إن للشّيخ المتقدّم ذكره بحثا وإيرادا على معاشر الأخباريّين المفصّلين في حجيّة حكم العقل بين الضّروري والنّظري لا بأس بنقله قال قدّس سرّه بعد نقل كلام المحدّث الجزائري ما هذا لفظه وقضيّة كلامه حجيّة العقل في البديهيات وعدم حجيّته في النّظريّات غير أنّه يصير معاضدا للنّقل فيرجّح على ما يعارضه من النّقلي الآخر ثمّ إنّ ما عناه من البديهي غير واضح في المقام فإن عنى به البديهي في اعتقاد العالم وإن لم يكن بديهيّا عند غيره أو لا يعلم فيه حال الغير فقد نصّ في تحقيقه المتقدّم وكذا فيما حكاه من كلام الأمين الَّذي هو عنده من التّحقيق المتين بعدم حجيّته وإن أراد به البديهي عند جميع العقلاء فهو مع أنّه ممّا يتعذّر العلم به إلَّا على سبيل الحدس الَّذي هو أيضا من العلوم الضّرورية المتوقّف حجيّتها على الاتفاق عليها عنده مدفوع بأن الاتفاق على الحكم بالبداهة لا يفيد

هامش
( 1 ) والذي يختلج ببالي أن شيخنا الأستاذ العلامة قدس سره وجد كلام الأمين الأسترآبادي والمحدث الجزائري مما علقه الشيخ المحشى قدس سره وكانت النسخة التي عنده من كتابه موافقة لما حكاه من التقييد كما كان كذلك في بعض النسخ الذي كان عندي ولكنه غلط والتصحيح هو الذي حكيناه عنه وهو كما ترى خال عن التقييد بالنسبة إلى كلام الجزائري وإنما هو أمر استفاده من كلام الأمين الأسترآبادي باجتهاده مع بعده من ميثاق كلامه فافهم منه دام ظله العالي