تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
إلى أنّ تحصيل المعارف والمطالب بالرّياضات والتّصفية والمكاشفات ممّا لا معنى له بل لا بدّ من سلوك طريق الاستدلال والوقوف على حقيقة الأشياء بالبرهان وذكروا في وجه تسميتهم بالمشائين أمورا مثل أنّ بناء المعلَّم كان على التّدريس حين مشيه ذهابا إلى خدمة الإسكندر وإيابا منها ومثل أنّ بناءهم كان على التّعلم والمشي إلى منزل الأستاذ إلى غير ذلك والثّانية ذهبوا إلى أنّ الوقوف على حقيقة الأشياء بالبرهان ممّا لا معنى له بل لا بدّ من الوصول إليها بطريق المكاشفة وتصفية الباطن حتّى يصير محلَّا للفيض وقابلا له ومن هنا ذكر بعضهم ( پاى استدلاليان چوبين بود ) وللفريقين اختلافات كثيرة في مسائل شتّى منها مسألة تركب الجسم عن الهيولى والصّورة وعدم تركَّبه منهما فذهب الطَّائفة الأولى إلى تركَّبه عنهما والثّانية إلى عدم تركَّبه عنهما وإن اتّفقوا على أصل ثبوت الهيولى وتركَّب الجسم في الجملة كما عن أكثرهم إلَّا أنّهم اختلفوا في تركَّب الجسم عن خصوص الهيولى وتوضيح القول فيه بحيث يحصل بصيرة في الجملة يتوقّف على بعض التكلَّم في معنى الهيولى والصّورة والجسم وذكر بعض كلماتهم ولا بأس بالتّعرض له وإن كان خارجا عن الفنّ ولم يكن من شأن من كان مثلي في قلَّة البصيرة والبضاعة في العلم إلا أنّ الميسور لا يسقط بالمعسور وما لا يدرك كلَّه لا يترك كلَّه مضافا إلى سؤال بعض الإخوان الَّذي لا يسعني ردّ مسألته فنقول : أمّا الجسم فهو على قسمين طبيعيّ وتعليميّ والمقصود بالكلام هو الجسم الطَّبيعي وأمّا التّعليمي فلم يتوهّم أحد تركَّبه من الهيولى وغيرها وإنّما هو أمر يعرض الجسم الطَّبيعي عند جماعة الحكماء ولهذا عرّفوه بأنّه الكمّ المتّصل الَّذي له الأبعاد الثّلاثة المتقاطعة على زوايا القوائم مع تعيّن امتداداته كما عزي إلى المحققين إلى غير ذلك ممّا قالوا في رسمه وأمّا الجسم الطَّبيعي فعرّفوه بأنّه جوهر يمكن فيه فرض أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قائمة فهو من أحد أقسام الجواهر أعني العقل والنّفس والجسم والمادّة والصّورة وأمّا الهيولى فعرّفوها بأنّها جوهر ليس في نفسه واجد للاتّصال والانفصال يحتاج إليها الصّورة الجسميّة الَّتي هي الممتدّ الجوهري في تشخّصها على ما ذهب إليه جماعة من المحقّقين ولا نزاع عند أكثر المحقّقين وجمهورهم في ثبوت هذا المعنى على ما عرفت وصرّح به جماعة من أجلَّة الحكماء وأساطينهم أي في ثبوت ما يصدق عليه مفهوم الهيولى ومسمّاها إلى أمر يقبل الانفصال والاتّصال اللَّذين يطرآن في الحسّ على أنواع الأجسام المحسوسة من حيث هي أجسام ويقبل الهيئات النّطفيّة والحيوانيّة والطَّينيّة والرّمادية وغير ذلك وهي المسمّى بالمادّة أو الهيولى على اختلاف العبارات في التعبير عنها ووجودها على حسب هذا المفهوم أمر مسلَّم لا نزاع فيه بل ممّا لا معنى للنّزاع فيه فإنّه إذا قيل يكون الحيوان من الطَّين أو خلق الابن من نطفة أبيه فلا يخلو إمّا أن يكون الطَّين باقيا طينا والنّطفة باقية نطفة وهو حيوان وإنسان حتّى يكون في حالة واحدة طينا وحيوانا ونطفة وإنسانا فهو محال وإمّا أن بطلت النّطفة بكلَّيتها حتّى لم يبق منها شيء أصلا وكذا الطَّين ثمّ حصل إنسان وحيوان فحينئذ ما صارت النّطفة إنسانا وما خلق الحيوان من الطَّين بل ذلك شيء بطل وانعدم بكلَّيته وهذا شيء آخر حصل جديدا بكلَّيته وجميع أجزائه وأمّا أن يكون الجوهر الَّذي كانت فيه الهيئة النّطفية والطَّينيّة بطلت عنه تلك الهيئة وحصلت فيه هيئة إنسان أو هيئة حيوان والقسمان الأوّلان باطلان بحيث لا يعتقدهما جاهل لأنّ كلّ من زرع بذرا لينبت شيء منه أو تزوّج ليكون له ولد يحكم على الزّرع بأنّه من بذره ويفرق بين ولده وغيره بأنّه من مائه وإن عانده معاند لا يلتفت إليه ويكذّبه الحدس الصّائب فظهر من ذلك كلَّه أنّ الهيولى من حيث المفهوم المذكور ما وقع فيها خلاف إنمّا النّزاع في أنّ ذلك الأمر له أجزاء لا يتجزّى أو ما في حكمها كما ذهب إليه المتكلَّمون أو أجسام صغار صلبة لا يمكن انقسامها في الخارج وإن كانت منقسمة في الذّهن بخلاف الأجزاء الَّتي لا يتجزّى كما هو مذهب ذي مقراطيس أو نفس الجسم بما هو جسم كما هو رأي جماعة من الأقدميّين أو أمر أبسط من الجسم وجزء له كما عليه المعتبرون من المشّائين وإلى ما ذكرنا يرجع تعريفها كما عن بعض بأنّها ما يكون الشّيء شيئا بها بالقوّة وأمّا الصّورة فهي جوهر يكون الشّيء شيئا بها بالفعل وهي كما ترى غير ما يطرأ على الأجسام من الأشكال والأبعاد وإن أطلق عليها الصّورة في إطلاق إلا أنّ المراد بها في المقام غير هذا الإطلاق كيف وقد عرفت أنّ تلك من أقسام الجواهر وهذه من مقولة العرض وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه عند من له أدنى خبرة ثمّ إنّ الأصحاب كلّ من القول بتركَّب الجسم عن الهيولى والصّورة وعدم تركَّبه عنهما حججا كثيرة مذكورة في محلَّها إحداها ما أشار إليه المحدّث الأمين الأسترآبادي في فوائد المدنيّة من برهان الفصل والوصل وحاصله بعد تلخيصه عن الزّوائد أنّ الجسم متّصل في ذاته بعد بطلان تركَّبه من الجزء الَّذي لا يتجزّى ومن الأجرام الصّغار الصّلبة الذّيمقراطيسيّة ولا ريب أنّ هذا الجوهر المتّصل في ذاته الَّذي كان بلا مفصل إذا طرأ عليه الانفصال انعدم وحدث هناك جوهران متّصلان في ذاتيهما فلا بدّ هناك من شيء آخر مشترك بين المتّصل الأوّل وبين هذين المتّصلين ولا بدّ أن يكون ذلك الشّيء باقيا في الحالتين وإلَّا لكان تفريق الجسم إلى جسمين إعداما للجسم بالكلَّية وإيجادا لجسمين آخرين من كتم العدم والضّرورة تقتضي ببطلانه قوله وفي أنّ الشّخص الأوّل باق وإنّما انعدمت صفة من صفاته إلى آخره أقول : ما ذكره إشارة إلى بحث محكيّ عن شيخ الإشراقيّين مع جملة من أبحاث أخر وحاصله أنّ بناء برهان الفصل والوصل على ثبوت الاتّصال الَّذي هو بمعنى الممتدّ الجوهري ونحن لا نسلم في الجسم الاتّصال الَّذي هو من فصول الكم وما سواه ممنوع وما قيل إنّك إذا شكَّلت الشّمعة بأشكال