بطريق اللَّم والعزلة عن الرّجوع إلى الأدلَّة الشّرعيّة من جهة كونها مبنيّة على الصّورة والظَّاهر أعاذنا اللَّه تعالى منه ففيما حكم بعدم جواز الخوض لم يكن إشكال في عدم معذوريته على تقدير الخوض وخطائه واستحقاقه للعقاب على ترك الواقع من جهة تقصيره في مقدّمات تحصيله وأمّا على تقدير عدم الخطاء فاستحقاقه للعقاب مبنيّ على مسألة التّجري الَّتي عرفت القول فيها تفصيلا لما قد عرفت أنّ عدم جواز خوضه لم يكن إلَّا من حيث استلزامه لفوت الواقع ولم يكن له حرمة نفسيّة حتّى يترتب العقاب عليه من حيث هو هو فهذا كما ترى قسم من عدم اعتبار الطَّريق فإنّ الحال في سلوك الظَّن الغير المعتبر أيضا ذلك غاية الأمر أنّه يمكن له فرض جهة حرمة يستحقّ العقاب من أجلها غير تفويت الواقع وهو التّشريع الَّذي لا يجري في الفرض كما لا يخفى
ثمّ بالحريّ أن نؤخّر ذكر الدّليل الثّاني عن التّكلم فيما حكى الأستاذ العلَّامة عن أصحابنا الأخباريّين من الكلمات الفاسدة من جهة ترتّبه عليه بضرب من التّرتّب الَّذي ستقف عليه عند التّعرض له
قوله قال الدّليل التّاسع مبنيّ على مقدّمة شريفة إلى آخره
أقول : لا يخفى عليك أنّ مرجع هذا الدّليل إلى الوجه الَّذي عرفته بوجوهه الثّلاثة وحصر الدّليل بالسّماع عن الصّادقين عليهما السّلام مبنيّ على الغالب من جهة أنّ أغلب الأحكام إنّما انتشر عنهما لا من جهة خصوصيّته لهما من بين الأئمة مع النّبي عليه وعليهم آلاف السّلام والصّلاة كيف ولا يعقل ذلك ولا يحتمل أن يكون الصّادقين في كلامه بصيغة الجمع لا التّثنية والمراد بالسّماع أعمّ من السّماع بلا واسطة كما هو ظاهره أو بواسطة كما هو من الأمور الواضحة عند من له أدنى خبرة كما أنّ التّخصيص به أيضا مبنيّ على الغالب وإلَّا فالمراد مطلق السّنة سواء كان قولا أو فعلا أو تقريرا وأمّا التّخصيص بالسّنة وحصر الدّليل فيها فلأنّ من مذهبهم عدم اعتبار الكتاب مستقلَّا والإجماع والعقل
قوله قد وهي أنّ العلوم النّظرية إلخ
أقول : لا إشكال في أنّ المراد بالمادّة هنا هي نفس مواد القضايا المذكورة في العلوم لبيان المقاصد والمطالب وهي تنقسم إلى مادّة قريبة وهي المسمّاة بالصّناعات الخمس من الشّعر والخطابة والبرهان والجدل والمغالطة وإلى بعيدة منقسمة إلى أقسام خمسة أيضا كالمخيّلات الَّتي هي مادّة الشّعر والمظنونات الَّتي هي مادّة الخطابة والمشبهات الَّتي هي مادّة المغالطة واليقينيّات الَّتي هي مادّة البرهان والجدل والمراد بالصّورة هي الهيئة الحاصلة للمقدّمتين بسبب نسبة الوسط إلى الطَّرفين وهي أيضا تنقسم إلى قريبة كالإشكال الأربعة وبعيدة كالهيئة الحاصلة لكلّ من المقدمتين بسبب الحمل والاتّصال والانفصال وهي على قسمين أحدهما ما هو مركَّب من الحمليّات الصّرفة أو من الحملي والشّرطي وثانيهما ما هو مركَّب من الشّرطيات الصّرفة والصّورة ما يكون منشأ لفعليّة ذيها فصورة الشّيء ما يكون به شيئا بالفعل والمادّة ما يكون به الشّيء بالقوّة ولمّا كان القياس حاصلا بالفعل لأجل الهيئة المرتّبة سمّيت تلك الهيئة بالصّورة كما أنّ الموضوعات والمحمولات لا على التّرتيب المعهود مادّة للقياس من جهة كونها قوّة لحصوله وممّا ذكرنا تعرف فساد الحكم بقول مطلق بأنّ معرفة الصّورة من الأمور الواضحة على ما في كلام المحدّث
قوله ومن هذا القسم إلخ
أقول : كون ما سيذكره من الأقسام ممّا ذكره ممّا لا إشكال فيه كما أنّ كون ما سنذكره مثالا للقسم الأخير أيضا ممّا لا إشكال فيه عند من له خبرة بالعلوم المذكورة فإنّ المهندس ينظر في كرويّة الفلك ويقول إنّ الفلك كرويّ لأن أقطاره من جميع الجوانب متساوية ومحاذاة أجزائه لنقطة كذا متشابهة وهذا البرهان من الحسّ وهو ليس بمبدأ حقيقي وأمّا الطَّبيعي فيقول إنّ الفلك ذو طبيعة بسيطة هي مبدأ حركته وسكونه فهيئته غير مختلفة لاستحالة تأثير القوّة الواحدة في المادّة الواحدة إلَّا الهيئة المتشابهة ومن هذا القياس غيرهما ممّا ذكره من الأمثلة للطَّرفين كما لا يخفى
قوله والسّبب في ذلك ما ذكرناه من أنّ القواعد المنطقيّة إنّما هي عاصمة إلى آخره
أقول : لا يخفى عليك النّظر فيما ذكره لأنّ الطَّرق والشّرائط المقرّرة في المنطق للاستنتاج تراعي جانب المادة والصّورة معا ضرورة أنّ حقيقة الفكر إنّما يتم بحركتين الأولى لتحصيل المادّة والثّانية لتحصيل الصّورة وإنّ الثّانية تحتاج إلى قواعد يقتدر بها على تحصيل صورة مخصوصة لكلّ مطلوب كذلك الأولى تحتاج إلى قواعد يتوصّل بها إلى تحصيل مادّة مناسبة للمطلوب فمباحث الصّناعات الخمس المشتملة على تحصيل مبادي الجدل والبرهان وسائر الحجج وتميز بعضها عن بعض جزء لهذا العلم الكافل بما يحتاج إليه في استخراج المجهولات من المعلومات فافهم
قوله قلت إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ ما ذكره من الجواب عن النّقض المذكور تحكَّم واضح وتمحّل بارد لأنّ أكثر الخلافات في الفروع الفقهيّة ليس مبنيّا على ضمّ مقدّمة عقليّة بل من الاختلافات في فهم معنى الحديث وعلاج المتعارضين منه والشّاهد على ذلك وقوع الاختلاف كثيرا من الأخباريّين في فهم المطالب من الأدلَّة الشّرعيّة مع أنّ بناءهم على الاقتصار عليها وعدم جواز التّعدي إلى غيرها فكيف يمكن مع ذلك دعوى كون الاختلاف من جهة ضم المقدّمة العقليّة الباطلة إلى المقدّمة الشّرعيّة الصّحيحة ولو لم يكن ضمّ لم يكن اختلاف وبالجملة ما ذكره ممّا لا سترة في فساده
قوله ومن الواضحات لما ذكرنا إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ المشّائيّين والإشراقيّين طائفتان من الحكماء ورئيس الطائفة الأولى المعلَّم الأوّل ورئيس الطَّائفة الثّانية من قدماء الحكماء أستاذه يعني أفلاطون ومن المتأخّرين الشّيخ السّهروردي من الطائفة النّاجية الشّيعة كثّرهم اللَّه تعالى وحشرهم مع أئمّتهم الطَّاهرين سلام اللَّه عليهم أجمعين والطَّائفة الأولى ذهبوا
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 30
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٣٠