تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
والتخلَّي عن الثّانية فريضة شرعيّة في الجملة وواجبة خلقيّة مطلقا وعدالتها كناية عن توسيطها بين طرفي الإفراط والتّفريط وبالسّنة القائمة شرائع الأحكام ومسائل الحلال والحرام وانحصار العلوم الدّينيّة في الثّلاثة وكون ما سواها فضلا أو فضولا واضح على ما عرفت من الوجه في المعاني الثّلاثة قوله قدس سره : وفي وجوب الزّائد على ذلك من عصمتهم الوجهان أقول : المراد من العصمة في كلامه ما ذكره قبل ذلك في النّبوة من العصمة بالملكة من زمان تولَّدهم صلوات اللَّه عليهم إلى زمان ارتحالهم عن النّشأة الدّنيويّة عمّا يكون عصيانا في حقّ المكلَّفين والخطاء والنّسيان والسّهو الَّتي قد عرفت أنّه لا إشكال في ثبوت العصمة عنها عند الإماميّة لا العصمة في الجملة فإنّه لا إشكال في اعتبارها في الإيمان بالمعنى الأخصّ كما يحكم بثبوتها ضرورة العقل فإنّ الحجّة من اللَّه تعالى على الخلق وشاهده عليهم والدّليل لهم كيف يمكن أن يكون غير معصوم وإلَّا لزم التّرجيح من غير مرجّح إذ لا يبقى بعد عدم اعتبار العصمة مزيّة للحجّة على الرّعيّة فافهم قوله قدس سره : وقد ورد في بعض الأخبار تفسير معرفة حق الإمام إلخ أقول : روى في محكيّ الكافي في باب فرض طاعة الأئمّة عليهم السلام بسنده عن إسماعيل بن جابر قال قلت لأبي جعفر عليه السلام أعرض عليك دين اللَّه عزّ وجلّ قال فقال هات فقلت أشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله والأبرار بما جاء به من عند اللَّه وأنّ عليّا كان إماما فرض اللَّه طاعته ثمّ كان من بعده الحسن إماما فرض اللَّه طاعته ثمّ كان من بعده الحسين إماما فرض اللَّه طاعته ثمّ كان عليّ بن الحسين إماما فرض اللَّه طاعته بعدهم حتّى انتهى الأمر إليه ثمّ قلت أنت يرحمك اللَّه قال فقال عليه السلام هذا دين اللَّه ودين ملائكته قوله قدس سره : ويكفي في التّصديق بما جاء به النّبي صلى الله عليه وآله إلخ أقول : الكلام في المقام يقع في موضعين أحدهما : في أنّه بعد العلم بثبوت شيء من النّبي تفصيلا سواء حصل العلم من التّواتر أو خبر الواحد المحفوف بالقرينة القطعيّة أو الإجماع أو الضّرورة الدّينيّة سواء كان من الأصول مطلقا أو الفروع من الأحكام الواقعيّة أو الظَّاهريّة فهل يجب على العالم به الإقرار به والتّصديق به ويكون إنكاره كفرا في حقّ العالم به أم لا ثانيهما : في أنّه إذا ثبت شيء من النّبي صلى الله عليه وآله في الدّين من الضّرورة أو التّواتر أو غيرهما فهل يجب على كلّ مكلَّف الإقرار به وتصديقه ويكون إنكاره كفرا ولو في حقّ الجاهل به مطلقا وإذا ثبت من النّبي صلى الله عليه وآله بطريق الضّرورة أو لا يكون كذلك أمّا الكلام في الموضع الأوّل فملخّصه أنّه لا إشكال في لزوم التّصديق والتّديّن بكلّ ما علم ثبوته من النّبي صلى الله عليه وآله في حقّ العالم به مطلقا لأنّه من فروع تصديق النّبي صلى الله عليه وآله فيكون إنكار العالم به كفرا وهذا ممّا لم يخالف فيه أحد بل لا يعقل الخلاف فيه لأنّه إنكار للنّبوّة وأمّا الموضع الثّاني فالَّذي يقتضيه التّحقيق وعليه المحقّقون ويستفاد من كلام شيخنا الأستاذ العلَّامة قدس سره عدم لزوم التّصديق والإقرار بما ثبت عن النّبي صلى الله عليه وآله في حقّ الجاهل به بمعنى الحكم بكفره مع عدم الإقرار أو الإنكار بالنّسبة إلى غير المعاد الجسماني الَّذي هو أصل مستقلّ عندهم كالتّوحيد بل الكلّ بالنّسبة إلى غير إنكار الضّروري بل لا معنى عند التّأمّل للقول بالكليّة المذكورة وأنّ كلّ غير مقرّر بما ثبت عن النّبي صلى الله عليه وآله واقعا أو منكر له ولو مع العلم بخلافه يحكم بكفره نعم ؛ كلماتهم في مسألة خصوص إنكار الضّروري مضطربة من حيث إنّ له سببيّة وموضوعيّة في الحكم بكفر منكره أو طريقيّة من حيث أدائه إلى إنكار النّبوة ومن هنا اعتبر غير واحد بل الأكثر عدم احتمال الشّبهة في حقّ المنكر فيكون الحكم بالكفر عندهم من حيث إنّ الضّرورة طريق لعلمنا إلى علم المنكر حقيقة وهذا هو الفارق بين الضّروري وغيره ممّا ثبت من النّبي صلى الله عليه وآله ومن هنا يحكم بإيجاب إنكار ضروري المذهب لكفر منكره إذا كان من أهل المذهب لا مطلقا والحقّ ما عرفت من أنّ الحكم بالكفر حتّى بالنّسبة إلى الضّروري في غير المعاد مشروط بالعلم وأمّا مع الشّك والجهل البسيط فضلا عن المركَّب فلا يجب الالتزام والتّديّن تكليفا بل لا يجوز ولا يؤثر بحسب الحكم الوضعي أيضا بمعنى أنّه لا يحكم بكفر غير المستلزم بما ثبت عن النّبي صلى الله عليه وآله ولو في الضّروريات مع علمنا بشكَّه وجهله بل لا يضرّ إنكاره مع الالتزام الإجمالي بما جاء به النّبي صلى الله عليه وآله وإن كان ظاهر بعض الأخبار إيجاب الجحود للكفر مطلقا لكنّه محمول على الإهمال بقرينة الأخبار سيّما ما ذكره في الكتاب فإنّ المراد من الإقرار بما جاء به على ما عرفت هو الإقرار الإجمالي أو التّفصيلي بعد العلم بما جاء به وهذا معنى ما أفاده قدس سره في الكتاب بقوله وأمّا التّدين بسائر الضّروريّات ففي اشتراطه أو كفاية عدم إنكارها أو عدم اشتراطه أيضا فلا يضرّ إنكارها إلَّا مع العلم بكونها من الدّين وجوه أقواها الأخير ثمّ الأوسط وغلط بعض النّسخ بإسقاط كلمة الاستثناء أوقع غير واحد في حيص وبيص بل إساءة الأدب مع وضوح الغلط والسّقط فإنّه إذا لم يوجب إنكار الضّروري مع العلم بكونه عن النّبي صلى الله عليه وآله الكفر فأيّ شيء يوجبه وهذا لا يظنّ صدوره عن جاهل فضلا عن مثله قدس سره الَّذي صرف عمره في علم الشّريعة مع ما عليه من التفرّد في دقّة النّظر واستقامة الرّأي والاطَّلاع على فتاوى الفقهاء رضوان اللَّه عليهم في عصره فجزاه اللَّه عن الإسلام خيرا وحشره في حظيرة قدسه مع نبيّه وآله الطَّيبين الطَّاهرين سلام اللَّه عليهم أجمعين ثمّ إنّه يدلّ على ثبوت الواسطة مضافا إلى ما رواه في الكتاب وكون الكفر مترتّبا على الجحود والإنكار كثير من الأخبار البالغة حدّ الاستفاضة ففي الكافي في باب فرض طاعة الأئمّة عليهم السلام أنّ أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول نحن الَّذين فرض اللَّه طاعتنا لا يسع النّاس إلَّا معرفتنا