المقام يكون مثبتا ومستدلَّا هذا ولكنّك خبير بإمكان إرجاع أحد الأمرين إلى الآخر فالفرق من جهة واحدة وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده بقوله مضافا إلى الفرق بينهما كما لا يخفى على المتأمّل كما صرّح به في مجلس البحث وهنا وجه آخر للفرق بين المقامين وهو أنّ ابتناء منع الدّليل العقلي السّابق على عدم استحالة مدخليّة الأمور الخارجة عن القدرة في المدح والذّم ممّا لا يعقل إذ لا يجوز لأحد أن يلتزم تجويز الشّارع العقاب على الأمر الغير الاختياري فلا يعقل ابتناء منعه على ما ذكر بل لا بدّ من أن يبتني منعه على ما عرفت منّا من أنّ من صادف قطعه يستحقّ العقاب على الفعل الاختياري فلو التزم بعدم استحالة رفع الأمر الغير الاختياري القبح في المقام لم يكن معنى للالتزام بتجويز الشّارع العقاب على الأمر الغير الاختياري فلا يمكن أن يبتني منع الدّليل العقلي السّابق على ما ذكر للفرق بين المقامين بما عرفته الثّالث : أنّه لا معنى للحكم بالتّداخل فيما إذا طابق الاعتقاد الواقع حسب ما صرّح به هذا الفاضل في بحث مقدّمة الواجب فإنّ التّجري إن لم يكن علَّة تامّة في إيراث استحقاق العقاب على الفعل المتجرّي به فلا معنى للحكم باستحقاق العقاب عند مخالفة الاعتقاد للواقع وإن كان علَّة تامّة له من حيث إنّه تجرّي فلا معنى للحكم بعدم تأثيره في الاستحقاق في صورة مطابقة الاعتقاد للواقع والمفروض أنّ معصية المولى بفعل ما نهى عنه وترك ما أمر به أيضا علَّة تامّة في حكم العقل لاستحقاق العقاب أيضا وليس يمتنع أن يصير فعل واحد مجمعا لعناوين متعدّدة مقتضية لاستحقاق العقاب عليه ومبغوضا من جهات متعدّدة واردة عليه كرمي الشّخص بأنّه ولد الزّنا فإنّه مجمع لعناوين ثلاثة من المعصية والمفروض أنّ المحلّ أيضا قابل فلا بد من القول بالتّعدّد ضرورة اقتضاء تعدّد العلَّة تعدّد المعلول وامتناع اجتماع العلل على المعلول الواحد والقول بالعقاب الواحد ممّا لا معنى له لأنّه إمّا على أحد العنوانين معيّنا أو على أحدهما لا على التّعيين أو عليهما معا ولا سبيل إلى شيء منها إذ الأوّل مستلزم للتّرجيح بلا مرجّح والثّاني مستلزم لقيام الاستحقاق بالأمر المبهم وهو ممّا لا شبهة في استحالته والثّالث مستلزم لخلاف فرض كون كلّ منهما سببا تامّا فلا مناص إذا من القول بتأثير كلّ منهما في استحقاق العقاب هذا كلَّه إن أريد من التّداخل تداخل الأسباب كما هو الظَّاهر من كلامه وإن أريد تداخل المسببات فهو أفحش من سابقه بعد تسليم سببيّة كلّ منهما إن كان المراد من التّداخل وحدة العقاب كما هو الظَّاهر وأمّا الحكم به في بعض المقامات فإنّما هو من جهة ورود النّص به على خلاف الأصل والقاعدة أو من جهة العلم بحصول الغرض من الكلّ بإتيان المسبّب مرّة واحدة فلا دخل له بالمقام وإن كان المراد من التّداخل عقابا زائدا على عقاب محض التّجري فهذا ليس معنى التّداخل قطعا لأن كلّ فعل اجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما فهذا عين الالتزام بعدم التّداخل هذا وقد يتوهّم بعض من لا بصيرة له كون العقاب في صورة مطابقة الاعتقاد للواقع واحدا ومستندا إلى معصية الخطاب الواقعي لا من جهة التّداخل بل من جهة عدم تحقّق التّجري في الصّورة المفروضة فإنّ عدم المخالفة للواقع مأخوذ في مفهوم التّجري وإلَّا لم يكن تجرّيا بل معصية وفساد هذا التوهّم أظهر من أن يخفى وأوضح من أن يبيّن مضافا إلى أنّ التعرّض لدفع أمثال هذا التوهّم مناف لوضع التّعليقة وتضييع للوقت والعمر هذا ملخّص ما أورده دام ظلَّه عليه مع توضيح من القاصر وقد سلك هذا المسلك فيما إذا قطع بالحكم الشّرعي فامتثله فيما أسمعناك سابقا عند الكلام في استحالة تعلَّق الجعل بالقطع فراجع وقد يورد عليه أيضا بإيرادين آخرين أحدهما : أنّه لا معنى للتّرديد بين الكليّة والجزئيّة في حكم التّجري عند مصادفته للواجب التوصّلي بعد البناء على وجود الجهة الواقعيّة القابلة لرفع قبح التّجري فيه بل يتعيّن الحكم بتبعيّة أقوى الجهتين فاحتمال ارتفاع قبح التّجري على الإطلاق وعدم استحقاق العقاب عليه لذلك في صدر كلامه والحكم بأنّه يراعى في الواجبات الواقعيّة ما هو الأقوى من جهة الواجب وجهة التّجري ممّا لا معنى له بل يلزم الجزم بلزوم متابعة أقوى الجهتين كما لا يخفى وأمّا ما يقال في توجيهه من أنّ احتمال الإطلاق مبنيّ على احتمال كون جهة التّجري مغلوبة دائما ففيه ما لا يخفى على النّاظر إلى كلامه مضافا إلى ما في نفس هذه الدّعوى ثانيهما : أنّه لا معنى للحكم بتأكد التّجري وضعفه بحسب مصادفته للمكروه أو المستحبّ من حيث الجهة المقتضية ( 1 ) للاستحباب والكراهة ليستا من الأقلّ والأكثر ولا معنى للحكم بحصول القوّة أو الضّعف لجهاتهما من جهة المصادفة بجهات الحكم الغير الإلزامي أو المخالفة لها وإلَّا لأمكن الحكم برفع جهة الحرمة من جهة المعارضة لجهة الاستحباب بل الجهة الملزومة أمر لا يمكن عروض الضعف لها من جهة مقابلة الجهة الغير الملزمة هكذا يقال عليه وفيه تأمّل ثمّ إنّه لا بدّ من أن يكون المراد من المستحب الذي يضعف به التّجري التّوصّلي منه كالواجب لا الأعمّ منه ومن التّعبدي ضرورة أنّ المستحبّ التّعبّدي كالواجب التعبدي لا يمكن وجوده في الخارج بدون قصد التّقرب المتوقّف على اعتقاد الأمر ثمّ إنّ في قوله وهذا الاحتمال حيث يتحقّق عند المتجرّي لا يجديه إن لم يصادف الواقع ما لا يخفى على المتأمّل فإنّ عدم الجدوى في حكم العقل وإلزامه لا يتقيّد بالقيد المزبور كما هو واضح قوله وأمّا استحقاقه للذّم من حيث إلخ أقول : وبذلك قد صرّح في مجلس البحث وقال إنّ المسألة تحتاج إلى مزيد تأمّل حتّى يعلم أنّ التّجري من الصّفات الغير الصّادقة على الفعل أو من الأمور الصادقة عليه وإن كان ظاهر كلامه المتقدّم هو الجزم بعدم حرمته قوله أمّا التّجري بسبب القصد إلى المعصية إلخ أقول
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 25
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٥
هامش
( 1 ) لحرمته ضرورة أنّ الجهات المقتضية للوجوب والحرمة مع الجهات المقتضية