تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
قبيحا وكذلك التّرخيص لهم أن يظهروا لغيرهم ممّن يعتقدون أنّه مثلهم وتحريم إظهاره لمن لا يعلمونه مثلهم وإيجابهم عليهم أيضا من جانب الشارع أن لا يظهروا إلَّا لمثلهم وهكذا لا يكون قبيحا وإن أخطأ المظهرون في الاعتقاد فأظهروه لمن لا يكون أهلا خطاء فانتشر أمر العفو من جهة تقصيرهم فإنّ فوت المصالح النّفس الأمريّة من العباد من جهة تقصير المقصّرين ليس فيه قبح على الحكيم ولا خلاف لطف أصلا كما حقّق مستقصى في محلَّه فإذا نقول إذا اقتضت المصلحة إظهار العفو في خصوص معصية كما في حكاية يوم الَّذي قتل فيه الثاني على النّمط المذكور لم يكن فيه قبح على الحكيم وإن فرض علم من لا يبالي بالمعصية بالعفو أيضا من جهة تقصير المقصّرين في تكليفهم وما وجب عليهم من عدم الإظهار إلَّا للأهل كما هو الشّأن في سائر المقامات هذا ولكنّك خبير بأنّ هذا الجواب أيضا لا يخلو عن إشكال أمّا أوّلا فلوجود الفرق بين المقام وما قيس به فإنّ إظهار الأحكام وتبليغه واجب على الحكيم تعالى بطريق المتعارف فلو لم يصل بعض الأحكام إلى العباد من جهة تقصير المقصّرين لم يكن فيه شيء على اللَّه تعالى وهذا بخلاف المقام فإنّ الواجب فيه ترك الإظهار فلا بدّ أن لا يجوز ترخيص الغير في الإظهار إذا كان ممّن يخطأ في الاعتقاد فتأمّل وأمّا ثانيا فلأنّ ما ذكر على فرض تماميته إنّما يتمّ بالنّسبة إلى ما دلّ عليه الأخبار وأمّا بالنّسبة إلى ما دلّ عليه الكتاب كالآية الدّالَّة على العفو عن الظَّهار فلا اللَّهم إلَّا أن يلتزم بعدم حرمته فتأمّل ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّ تكفير الذنب بالتّوبة أو تكفير الصّغائر بالاجتناب عن الكبائر حسب ما دلّ عليه الأدلَّة الثّلاثة ليس من العفو المنافي لحكم العقل كما لا يخفى على الأوائل فضلا عن الأواخر ولا دخل له بمسألة الحبط التي هي عكس مسألتنا هذه وهي رفع السيئة بالحسنة وأوضح منه في عدم كونه من محلّ البحث ما ورد في جملة من الواجبات والمستحبات كالحجّ وزيارة سيّد الشّهداء أرواحنا له الفداء وغيرهما ممّا دلّ على تكفيره الذّنوب كما لا يخفى ثانيها : أنّه بناء على عدم إيجاب التّجري قبح ما يتجرّى به والذّم عليه من جهة كونه من الأوصاف الغير الصّادقة على الفعل أو ممّا يصدق عليه مع عدم قبحه حتّى يؤثر في قبح ما يتصادق معه كيف يمكن الحكم بحرمته القصد إلى المعصية فإنّ الوجه في حرمته ليس إلَّا من حيث كونه قبيحا والوجه في قبحه ليس إلَّا من حيث كونه تجرّيا فلا بدّ إمّا من أن يحكم بالحرمة في جميع صور التّجري أو يمنع منها في القصد إلى المعصية فالتّفصيل كما هو قضيّة الفرض ممّا لا معنى له هذا وقد يتفصّى عن الإشكال المذكور بأنّه لا امتناع في أن يكون في القصد إلى المعصية مفسدة قد حكم الشارع بحرمته من أجلها ولم يطلع عليها العقل حتّى يحكم به وليس هنا برهان قطعيّ يدلّ على كون حكم الشارع بالحرمة إنّما هو من أجل القبح المسبّب عن التّجري ثالثها : أنّه بناء على حرمة القصد إلى المعصية من باب التّجري كما هو قضيّة طائفة من الأخبار وجملة من الآيات لا بدّ من أن يحكم بحرمة التّجري بالفعل مطلقا من باب الأولوية لأنّ القصد إلى المعصية من أدنى مراتب التّجري هذا ولكنّه لا يخفى عليك ما فيه ومثله ما يقال من أنّ قبح التّجري دائما من جهة القصد إلى المعصية فيلزم الحكم بحرمة التّجري مطلقا على ما يظهر من كلام شيخنا في الكتاب من الاستناد إلى القصد إذا عرفت ما قدّمنا لك من الإشكالات فنقول أمّا دلالة ما أورده دام ظلَّه على المؤاخذة بالقصد إلى المعصية من الآيات والأخبار فممّا لا إشكال فيها في الجملة وإن كان قد يتأمّل في دلالة بعضها إنّما الإشكال فيما وعدناك من العلاج بينها وبين ما دلّ على العفو فنقول إنّ التّوفيق بينهما بأحد الأمرين اللَّذين ذكرهما دام ظلَّه في الرسالة أحدهما : حمل ما دلّ على العفو على القصد المجرّد وحمل ما دلّ على عدمه على القصد مع الإتيان ببعض مقدّمات فعل الحرام بقصد ترتب الحرام ويشهد لهذا الجمع ما دلّ على حرمة الإعانة على المحرّم بناء على ما ذكره بعض الأساطين ممّن تأخّر من شموله لإعانة نفسه على الحرام وهذه الاستفادة وإن كانت خلاف ظاهر ما دلّ على حرمة الإعانة على المحرّم بمقتضى الدّلالة اللَّفظيّة من حيث إنّ ظاهره إعانة الغير على الحرام إلَّا أنّه قد يقال بشموله لإعانة النّفس بتنقيح المناط وهو أنّ الوجه في نهي الشّارع عن إعانة الغير على الحرام هو مبغوضيّة التّسبيب لإيجاد الحرام في الخارج وإن كان هذا أيضا لا يخلو عن تأمّل ظاهر نعم ؛ قد يجعل الإجماع على العفو من قصد المجرّد شاهدا لهذا الجمع فتدبّر ثانيهما حمل ما دلّ على العفو على القصد الَّذي ارتدع عنه القاصد بنفسه وما دلّ على عدمه على ما إذا بقي على القصد حتّى حصل له العجز عن الفعل لا باختياره ولو لم يفعل بعض مقدّمات الفعل أيضا والمراد من الارتداع بنفسه ليس هو الرّجوع إليه والإنابة عن القصد فإنّه عين الالتزام بحرمته القصد إلى الحرام بل مجرّد الارتداع عنه بأيّ داع كان وهذا الوجه من الجمع كما ترى لا شاهد له أصلا وكيف كان لا إشكال في عدم حرمة القصد المجرّد لأنّه ممّا انعقد الإجماع عليه ظاهرا ونطقت به الأخبار بالصّراحة فلا يمكن الحكم إذا بحرمته فتعيّن إذا التّصرّف فيما دلّ على حرمته مطلقا وليس المقام ممّا يجوز الرّجوع فيه إلى المرجّحات السّندية وغيرها أيضا بل يتعيّن التصرّف في الدّلالة والظَّهور بما كان قريبا وإلَّا فلا بدّ من الحكم بالإجمال بالنّسبة إلى غير ما تيقّن إرادته والرّجوع إلى الأصول العمليّة على ما هو الشّأن في جميع صور تعارض ما لا يجري فيه الطَّرح بحسب السّند هذا وهنا جمع آخر لم يشر إليه الأستاذ العلَّامة دام أظلاله وهو حمل ما دلّ على العفو على نيّة المؤمن وحمل ما دلّ على عدمه على نيّة الكافر ويشهد له بعض الأخبار أيضا ولكنّك خبير بأنّ حمل ما دلّ على المؤاخذة على نيّة الكافر لا يتمشّى بالنّسبة إلى جميع ما دلّ عليها وكيف يحمل قوله عليه السلام