تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
إذا التقى المسلمان بسيفهما الحديث على ما ذكر مع أنّه صريح بخلافه كما لا يخفى نعم ؛ في دلالة جملة من الآيات والأخبار المستدلّ بها على الحرمة مناقشة واضحة فراجع وهاهنا شيء ينبغي التّنبيه عليه وهو أنّه قد يستدلّ على حرمة التّجري بقول مطلق بما ورد في الأدعية الكثيرة من طلب العفو عنه فإنّها مشحونة بالاستعفاء عن التّجري فيجعل هذا كاشفا عن حرمة التّجري عند الشّارع ولو لم يحكم به العقل فهذا مسلك آخر في الحكم بحرمته لا دخل له بحكم العقل حتّى يقال إنّ المذمّة العقليّة إنّما ترجع إلى الفاعل لا إلى الفعل هذا ولكن يمكن الجواب عن الاستدلال بهذا الدّليل بأنّه لم يظهر من الأدعية المشتملة على طلب العفو عن التّجري كون التّجري من حيث هو هو حتّى فيما لم يطابق المعصية مقصودا لطلب العفو بل الظَّاهر منها طلب العفو عمّا يكون مطابقا للمعصية بحيث يرجع طلب العفو إلى طلبه عنها حقيقة لا عنه فتأمّل كما أنّه قد يستدلّ على حرمته أيضا بما أورده شيخنا دام ظلَّه في هامشه من الرّواية الواردة في الرّجلين النّاظرين إلى الفجر حيث إنّ حكمه عليه السلام بحرمة الإفطار على الَّذي زعم طلوع الفجر بقول مطلق من غير تقييد بصورة مطابقة الاعتقاد للواقع يكشف عن حرمة التّجري فتأمّل اللَّهم إلَّا أن يقال بأنّ للعلم موضوعيّة في مسألة الصّوم كما يظهر من الآية الشّريفة المرخّصة للأكل إلى غاية التّبيّن فجواز الأكل في حقّ من لم ير الفجر حكم واقعي كما أنّ عدم الجواز في حقّ الرائي أيضا واقعي إلَّا أن يقال إن أخذ التّبيّن من جهة الطَّريقيّة لا الموضوعيّة وإلَّا لم يكن فرق في القضاء عند كشف وقوع الإفطار في النّهار ممّن أفطر شاكَّا بطلوع الفجر بين الفحص وعدمه فتدبّر قوله ثمّ إنّ التجري على أقسام إلخ أقول : لا يخفى عليك أنّه قد علم من كلامه دام ظلَّه بعض الأقسام السّتة وهي الثّلاثة الأول وأمّا الثّلاثة الأخيرة فلما لم تعلم منه فأراد بيانها موضوعا وحكما بهذا الكلام ثمّ إنّه لا بدّ من أن يجعل المراد من الاحتمال الأعمّ من الظَّن والشّكّ والوهم حتّى يشمل الأوّلين أيضا وإلَّا فالأقسام تزيد على ما ذكره دام ظلَّه بكثير كما لا يخفى على الفطن ثمّ إنّه لا إشكال فيما ذكره دام ظلَّه بقوله ويشترط في صدق التّجري إلخ ضرورة أنّ مع كون الجهل عذرا إمّا بحكم العقل أو النّقل لم يكن هناك احتمال المعصية حتّى يتحقق فيه التّجري لما قد عرفت مرارا أنّ المعصية واحتمالها لا يتحقّق إلَّا مع تنجّز الخطاب وإلَّا لم يتحقّق احتمال المعصية قطعا وإن تحقّق احتمال المخالفة للخطاب النّفس الأمري إلا أنّه بنفسه لا يتنجّز على المكلَّف ما لم يتحقّق العلم به أو ما يقوم مقام العلم نعم ؛ فيما لا يكون الجهل عذرا مطلقا لم يكن إشكال في تحقّق التّجري بأيّ نحو أقدم بالفعل كما في موارد تنجّز الخطاب بالعلم الإجمالي مثل الشّبهة المحصورة الوجوبيّة أو التحريميّة مع وجود شرط تنجّز الخطاب فيها وكما في الشّبهة الابتدائية قبل الفحص في الشّبهة الحكميّة فما ذكره دام ظلَّه من المثال فإنّما هو مثال للنّفي على ما يقتضيه المقام لا للمنفيّ كما ربما توهم من العبادة في بادي النّظر ثمّ إنّه قد سلك دام ظلَّه هذا المسلك من الحكم بتعميم التّجري للشّك في الجملة في غير موضع من الكتاب إلَّا أنّه صرّح في أواخر أصالة البراءة بعدم تحقّق التّجري في حقّ الشّاك المقصّر الَّذي ترك الفحص ولم يأخذ بالطَّريق الشّرعي وما ذكره هنا من الحكم بالتّعميم هو الصّواب الَّذي لا محيص عنه كما هو واضح قوله وكلاهما تحكَّم وتخرّص على الغيب إلخ أقول : أمّا كون الحكم بكون المتجريّ مستحقّا للعقاب المتوسّط بين الصّغيرة والكبيرة تحكَّما وتخرّصا على الغيب فممّا لا شبهة فيه وأمّا كون الحكم بفسقه تحكَّما وتخرّصا على الغيب فقد يقال إنّه ممّا لا يظهر له وجه بل الوجه هو الحكم بكونه فاسقا إذا كان التّجري على ارتكاب ما يوجب الفسق وإن قلنا بعدم استحقاقه للعقاب أصلا نظرا إلى كشفه عن عدم وجود الملكة الرّادعة له بناء على كون الفسق نقيضا للعدالة بمعنى الملكة الرّادعة نعم ؛ لا إشكال في عدم الحكم بفسقه إذا كان متجرّيا بما لا يكون ارتكابه موجبا للفسق كما في الصّغائر وإن قلنا باستحقاق العقاب على التّجري إذ التّجري على المعصية لا يكون أولى من ارتكاب نفس المعصية كما أنّه لا إشكال في الحكم بعدم كونه فاسقا لو بني على كونه بمعنى الخروج عن طاعة اللَّه بفعل الكبائر كما هو واضح ثمّ إنّ ما أفاده الشّهيد قدّس سرّه في وجه كلام بعض الأصحاب لا يخلو عن نظر فإنّ القصد إلى الحرام مع العلم بالإباحة والالتفات ممّا لا يتصوّر بل قد يقال بتطرّق الإشكال فيما أفاده قدّس سرّه في صور محلّ النّظر حيث إنّ القصد إلى الحرام مع الظَّن أيضا لا يخلو عن إشكال إلَّا أن يكون مراده من الظن والزعم العلم فتأمّل قوله وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين إلى آخره أقول : هذا التفصيل كما ترى يرجع إلى التّفصيل باعتبار السّبب وإنّ القطع الحاصل من المقدّمات الشّرعيّة أو العقليّة الضّروريّة حجّة دون الحاصل من العقليّة الصّرفة مطلقا أو في الجملة على اختلاف بين المفصّلين وهو مبنيّ على نفي الملازمة بين حكم العقل والشّرع باعتبار كما يظهر من بعض كلماتهم واستدلالاتهم مع تسليم حصول القطع من حكم العقل بحكم الشّرع من البرهان العقلي الَّذي أقاموه على الملازمة بين الحكمين ولذا عدّهم جماعة من المحقّقين مخالفين في مسألة الملازمة وعلى نفي وجوب إطاعة الحكم الشّرعي المستكشف من الدّليل العقلي باعتبار آخر كما يظهر من كلماتهم الآتية ثمّ إنّ المحكيّ عنهم في الاستدلال على ما ذهبوا إليه وجوه عمدتها وجهان أحدهما : كثرة وقوع الغلط والاشتباه في المقدّمات العقليّة فلا يمكن الرّكون إليها في استنباط الأحكام الشّرعيّة وبعبارة أخرى التّعويل في استنباط الحكم الشّرعي على المقدّمات العقليّة الغير الضّروريّة مستلزم لتفويت الواقع كثيرا فلا بدّ من أن لا يكون جائزا وهذا الدّليل كما ترى يرجع إلى الاستدلال بحكم العقل لأنّ حرمة تفويت الواقع لا يمكن أن يستفاد من نفس
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 28 | ميرزا محمد حسن الآشتياني