الواردة في حكم القصد إلى المعصية ممّا يدلّ على العفو عنه والمؤاخذة به كثيرة جدّا بحيث يمكن دعوى وصولها في كلّ من الجانبين إلى حدّ التّواتر ولمّا كان أمر الأخبار الدالة على العفو واضحا من حيث اشتهارها حتّى بين العوام والنّسوان بل في غير واحد من الأخبار أنّ العفو عن نيّة السّوء من خواصّ الأمّة المرحومة فاكتفى الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه بذكر جملة ممّا يدلّ على عدم العفو فيمكن إذا للقائل بأن التّجري قبيح وموجب لاستحقاق العقاب في نفسه القول بعدمها فيما إذا تحقّق بالقصد على ما عليه المشهور نظرا إلى اختياره ما دلّ على العفو وترجيحه على ما دلّ على عدمه بضرب من التّرجيح كما أنّه يمكن للقائل بعدمها القول بثبوتها فيما إذا حصل التّجري بالقصد من جهة اختيار ما دلّ على ثبوتها وإلى ما ذكرنا يشير قوله أمّا التّجري إلى آخره حيث إنّ المراد منه أنّ حكم التّجري بالقصد إلى المعصية ليس حكم غيره فيمكن القول بعدم العقاب بالتّجري المحقّق بمجرّد القصد وإن قلنا به فيما إذا تحقّق بغيره هذا ونحن نذكر جملة ممّا دلّ على العفو تيمّنا بذكرها
منها ما رواه جميل بن درّاج عن الصّادق عليه السلام أنّه قال إذا همّ العبد بالمعصية لم تكتب عليه الحديث
ومنها ما رواه زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال إنّ اللَّه جعل لآدم في ذرّيته أنّ من همّ بحسنة يعملها كتب له مثلها ومن همّ بحسنة يعملها كتبت له عشرة ومن همّ بسيّئة لم تكتب عليه ومن همّ بها وعملها كتبت عليه سيّئة
ومنها ما روي عن الباقر عليه السلام أنّه قال لو كانت النيّات من أهل الفسوق يؤخذ بها أهلها لأخذ كلّ من نوى الزّنا بالزنا وكلّ من نوى السّرقة بالسرقة وكلّ من نوى القتل بالقتل ولكن اللَّه عدل كريم ليس الجور من شأنه ولكنّه يثيب على نيّات الخير أهلها ولا يؤاخذ أهل الفسوق حتّى يفعلوها وقبل الخوض في العلاج بين الأخبار الواردة من الجانبين لا بدّ من التّعرض لإشكالات قد أشار إلى بعضها الأستاذ العلَّامة في مجلس البحث وقد سبقه في الإشارة إليه غيره
أحدها : : أنّه بناء على استحقاق العقاب على ما يتحقّق به التّجري على ما يقتضيه كلمات الأكثرين وهو ظاهر ما ورد من أخبار العفو أيضا كيف يمكن حكم الشّارع بالعفو والإخبار عنه على سبيل الحتم مع أنّه على خلاف اللَّطف من حيث كون الوعد على الإطاعة والوعيد على المعصية لطفا على ما يقتضيه صريح العقل وقضت به كلمتهم ومن المعلوم أنّ ترك اللَّطف قبيح على
الحكيم فضلا عن صدور خلافه عنه
ثمّ إنّ هذا الإشكال لمّا لم يكن مختصّا بالمقام بل كان واردا في نظائره ممّا قالوا بحرمته ودلّ الدّليل على العفو عنه كما في الظَّهار وكما في الإتيان بالحرام في يوم قتل الثّاني إلى ثلاثة أيّام إلى غير ذلك وهكذا في يوم الغدير إلى ثلاثة أيّام فبالحريّ أن نتعرّض لما يدفع به الإشكال في جميع المقامات وممّا ذكرنا من البيان يظهر فساد الجواب عن الإشكال في المقام بالنّقض على الظهار ونحوه ممّا هو مثله في الإشكال فنقول إنّ ما يذكر للتفصّي به عن الإشكال المذكور وجهان
الأوّل : أنّ ما دلّ من الآيات والأخبار على حكم العفو في أمثال المقام ليس بقطعيّ والظن ليس حجّة في هذه المسائل ولو كان من ظواهر الألفاظ فلا يحصل به مخالفة لقضيّة اللَّطف الواجب على الحكيم تعالى أو يؤوّل بما لا ينافي حكم العقل ومنه احتمال إرادة التّأخير في ثبت كاتب السّيئات من الملكين هذا ولكنّك خبير بما فيه لأنّ اعتماد المشافهين بما دلّ على العفو عن معصية خاصّة ممّا يكون ظاهرا فيه ممّا لم يكن فيه ريب كاعتمادهم بظهوره في سائر المقاصد وليس المقصود هو تحصيل القطع بالعفو كما في مسائل الأصول الَّتي يطلب فيها الجزم حتّى يقال إنّه لا يحصل بالظَّواهر بل المقصود صدور كلام من المولى يقتضي العفو بلسانه المتعارف الَّذي هو محلّ اعتماد النّاس قطعا ويوجب تجرّيهم على المعصية جزما وكذلك اعتمادهم على ما يرد من المولى في العفو من النّقل بخبر الثّقات ممّا لا شبهة فيه فتأمّل
لا يقال مجرّد احتمال العقاب يكفي في حكم العقل بوجوب الإطاعة لاستقلاله في الحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل فلا يكون إظهار العفو مع بقاء احتمال المؤاخذة خلاف اللَّطف
لأنّا نقول أوّلا إنّه لو بني على كفاية مجرّد احتمال المؤاخذة لم يكن دليل على كون الوعد والوعيد لطفا مع أنّ الكلام إنّما هو على فرض كونهما لطفا وهو مما لا شبهة فيه أيضا لأنّ حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل لا ينافي كون الوعد والوعيد لطفا إذ لا شبهة في حصول القرب إلى الطَّاعة والبعد إلى المعصية بهما غير ما كان حاصلا من نفس احتمال العقاب بالنّظر إلى حكم العقل وهذا هو المناط في اللطف ولا يشترط في تحقّقه عدم حكم العقل في مورده من وجه ضعيف كيف وهم حكموا بأنّ تأكيد العقل بالشّرع لطف والمقام أولى بكونه لطفا من حيث كون قول الشّارع فيه تأكيدا لا تأسيسا
وثانيا أنّه لو بني على كفاية مجرّد احتمال العقاب في رفع وجوب للَّطف على الحكيم تعالى فإنّما هو فيما إذا لم يرد منه ما يقتضي عدم العقاب ولو بالطَّريق الظَّني الَّذي عليه اعتماد العقلاء وأهل اللَّسان فهل ترى من نفسك الحكم بعدم إقدام العبد بإتيان ما أخبره المولى بلسانه المتعارف بالعفو عنه ممّا نهاه عنه من جهة احتمال المؤاخذة فهذا الاحتمال في حكم عدمه عند العقلاء فتأمّل
وثالثا أنّ هذا لا يتأتى فيما ثبت العفو عنه قطعا كما في القصد إلى المعصية مجرّدا فإنّ الظَّاهر قيام الإجماع على العفو عنه فتدبّر
الثّاني : أنّ من المعلوم ضرورة وبداهة عدم كون العفو الواقعي قبيحا على الحكيم تعالى بل هو واجب عليه في الجملة بما لا ينافي حكم العقل بكون الوعد والوعيد لطفا على ما ستقف عليه ولم يدّع أحد أيضا أنّ العفو الواقعي قبيح على الحكيم تعالى من جهة كونه على خلاف اللَّطف وإنّما الَّذي يكون قبيحا هو إظهاره للعباد ومن المعلوم أنّ إظهاره للعباد المطيعين ممّن لا يتفاوت في حالهم الوعد والوعيد وعدمهما كسلمان وأبي ذر ومقداد وحذيفة وأمثالهم من الموحّدين لا يكون
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 26
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٦