تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤

لا يمكن الحكم القطعي بما هو محموله غاية الأمر حكم العقل به ظنّا من جهة ظنّه بتحقّق الموضوع فيكون حكمه به إذا حكما ظاهريّا لا واقعيّا فإنّ العقل وإن لم يجوّز ضرب اليتيم مع احتمال حصول التأديب والكذب مع احتمال ترتّب المصلحة عليه إلَّا أن عدم تجويزه ظاهريّ مبنيّ على الظن بتحقّق ما هو المناط فلم يبق إذا فرق بين هذا القول والقول بتبعيّة الحسن والقبح للوجوه والاعتبار إذ على القول بالوجوه أيضا يحكم العقل بمقتضى الوجه الَّذي أحرزه للفعل وإن احتمل وجود غيره للفعل ممّا يقتضي ضدّه قلت لا يعقل الفرق فيما ذكرنا بين القطع والظَّن المعتبر إذ مع اعتبار الظَّن يقطع بتحقّق التّجري بمخالفته ويقطع أيضا بعدم تحقق ما هو الرافع له إذ قد عرفت أن الرافع للقبح ليس إلَّا الحسن الَّذي هو من مقولة الحكم الَّذي قد عرفت استحالة تعلَّق الظن والشك به نظرا إلى كونه من وجدانيّات العقل فمع احتمال وجود ما يحكم العقل بحسنه على تقدير القطع به يقطع بعدم وجود الحسن له فحكم العقل في الفرض بقبح التّجري حكم واقعي وليس هذا مختصّا بالمقام إذ ليس لنا في الأحكام العقليّة ما يكون ظاهريّا من حيث حكم العقل وإن كان حكمه في موارد الأصول العقليّة ظاهريّا من حيث ثبوته لمجهول الحكم الشّرعي نعم ؛ قد يحكم العقل على عنوان يوجد في صورة القطع بشيء وفي صورة الشّك به كما في حكمه بحرمة التشريع بناء على كونه عبارة عن إدخال ما لم يعلم أنّه من الدّين في الدّين بقصد أنّه من الدّين سواء علم عدم دخوله في الدّين أو شكّ فيه ولكن هذا لا دخل له بالحكم الظاهري الَّذي جرى عليه الاصطلاح كما لا يخفى ومنه يظهر حال المثالين فإنّا نمنع من كون حكم العقل بعدم التّجويز فيهما ظاهريّا بل هو واقعيّ أيضا فظهر ممّا ذكر الفرق بين هذا القول والقول بالوجوه والاعتبار فإنّه بناء على القول بالوجوه يكون أصل المقتضي للقبح في نظر العقل هو التّجري الغير المصادف لما فيه مصلحة مزاحمة لقبحه فإذا احتمل مصادفته للواجب الواقعي لا يحكم بالقبح قطعا لما قد عرفت مرارا من أنّ العقل لا يحكم بشيء مع عدم علمه بوجود ما هو المناط له وإن ظن بوجوده إذ قد عرفت أنّ مع الظن بالموضوع أيضا يقطع بعدم حكم العقل بل التّحقيق أنّ أصل الظن بالموضوع العقلي ممّا لا معنى له إذ الموضوع في القضايا العقليّة ليس إلَّا الأمور المعلومة دائما فالعلم مأخوذ في الموضوع للحكم العقلي في أيّ مورد وجد فلا يرد إذا أنّ مع الظن بالموضوع الَّذي هو العلَّة التّامّة للحكم من حيث إنّ الموضوع في القضايا العقليّة دائما هو المناط الأولى كيف يمكن منع الظَّن بالحكم لا يقال بناء على ما ذكر يلزم كون الموضوع في الحكم الشّرعي المستند إلى القضيّة هو المعلوم أيضا وإلَّا لم يكن معنى للاستناد إلى القضيّة العقليّة مع أنّ هذا فاسد بالضّرورة لأنّا نقول نلتزم بذلك لكنّه لا بشرط أن يكون معلوما عند المكلَّف بل عند الشّارع الحاكم فباحتمال كون الشّيء مضرّا في علمه مثلا يحتمل الحرمة إذ احتمال الضّرر في الواقع لا ينفك عن احتمال علمه به من حيث كونه عالما بجميع الأشياء وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه إن شاء اللَّه تعالى فتبيّن ممّا ذكر أنّ مع الظن بالضّرر مثلا لا يعقل الظَّن بالحكم العقلي نعم ؛ لمّا كان الظنّ المذكور حجّة شرعيّة يقطع معه بوجود الحكم الظَّاهري الشّرعي ولكنّه لا دخل له بالحكم العقلي إذ اعتبار الظن عند الشارع لا يمكن أن يحدث حكما عقليّا نعم ؛ قد يكون وجود الظن موجبا لحكم العقل من جهة كون موضوعه أعمّ من القطع والظن لكنّه لا دخل له بمسألة الظن بالحكم العقلي فإن قلت هب أنّ العنوان الواقعي من حيث كونه مجهولا لا يتّصف بحسن ولا قبح بناء على ما ذكرت من عدم عروض الحسن والقبح إلَّا للعنوان المعلوم إلَّا أنه ليس من المستحيل أن يكون في مصادفة التّجري له شيء يقتضي رفع القبح كإدراك المصلحة النّفس الأمريّة المكنونة في الفعل إلَّا أن يقال إنّ الأمور الخارجة عن القدرة لا يمكن أن تؤثر في المدح والذّم وهو في حيّز المنع إذ كثيرا مّا نمدح الشيء ونذمّه بما لا يكون اختياريّا له وعليه يمكن ابتناء منع الدّليل العقلي السّابق المبنيّ على التّرديد والدّوران إذ مبناه على عدم استحالة مدخليّة الأمور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح والذّم قلت أوّلا بعد الاعتراف بعدم اتّصاف ما يتحقّق في ضمنه التّجري بالحسن من حيث كونه مجهول العنوان لا يعقل تجويز تأثيره في رفع القبح إذ المانع من قبح التّجري في نظر العقل ليس إلَّا حسن ما يتحقّق في ضمنه والمفروض عدم وجوده فلو فرض حينئذ عدم ثبوت القبح له لزم انفكاك المعلول عن العلَّة إذ المفروض وجود المقتضي للقبح وهو التّجري وعدم المانع عنه وثانيا أنّ مدخليّة الأمور الخارجة عن القدرة في المدح والذّم لا دخل لها بما هو المقصود بالبحث عنه في المقام من الحسن والقبح إذ هما من الأحكام العقليّة الَّتي لا تعرض في حكم العقل إلَّا الأفعال الاختياريّة القابلة لتعلَّق التكليف حتّى ينتقل من حكم العقل بالحسن والقبح إلى الوجوب والحرمة مثلا وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا ثمّ إنّ ما ذكر في طيّ تقريب الدّليل من قبل المستدلّ من إمكان ابتناء المنع السّابق على ما ذكر ضعيف جدّا لوضوح الفرق بين المقامين بما لا يخفى على المتأمّل فإنّ المنع المذكور كان مبناه على منع تأثير الأمر الغير الاختياري في الذّم وكلام المفصّل مبنيّ على إثبات تأثيره ورفعه للذّم الثّابت للأمر الاختياري فمع هذا الفرق الواضح بين المقامين كيف يمكن ابتناء المنع المذكور ثمّة على ما ذكر هنا فحاصل الفرق بينهما يرجع إلى أمرين أحدهما : أنّ المقام هناك مقام الدّفع والمنع فيكفي مجرّد المنع والمقام فيما نحن فيه بعد الاعتراف بثبوت القبح لعنوان التّجري ( 1 ) فلا بدّ إثباته ثانيهما : أنّ المدّعي للفرق في استحقاق الذّم بين الشّخصين هناك كان منكرا والمسلَّم بقبح التّجري في

هامش
( 1 ) مقام الرّفع