تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣

العقل بكونه ظلما عليه من حيث إنّ حقّ المولى على العبد أن يطيعه وينقاده وليس الظَّلم عبارة عن خصوص الضّرب أو الشّتم أو أكل مال الغير بغير حقّ حتى يقال بعدم شموله للتّجري على معصية المولى هذا ولكن قد يقال بأنّ البناء على كونه ملحقا بالظَّلم بالمعنى الَّذي عرفته ربما ينافي عدم حرمته إذ كيف يمكن الجمع بين كون التّجري قبيحا ذاتا كالظَّلم والقول بعدم حرمته حيث إن لازمه أن يكون من مقولة الفعل لا من مقولة الأوصاف فالالتزام بهما ممّا لا يمكن وإلَّا كان قولا بالمتنافيين وجمعا بينهما هذا ودعوى إمكان القول بكونه من قبيل المعصية في كونه ظلما على المولى وعدم كونه حراما من حيث تحقّقه بالقصد المجرّد أيضا بل حقيقته متقوّمة به دائما كما ترى ضرورة أنّ القصد أيضا من الأفعال المتعلَّقة للتّكليف غاية الأمر كونه من أفعال القلب لا الجوارح فتأمّل الثّاني : أنّه لو سلَّم أن التّجري ليس قبيحا ذاتا لكنّه ليس من الأفعال الَّتي لا تتّصف بالنّظر إلى أنفسها في حكم العقل بالحسن والقبح بل يحتاج اتّصافها بهما إلى انضمام ما يقتضي أحدهما بها من الوجوه والاعتبارات بل من الأفعال الَّتي تتّصف بالنّظر إلى أنفسها بالحسن والقبح مع قابليّة خلوّ الذّات عنهما بواسطة عروض الرّافع وبعبارة أخرى لو سلَّم عدم كون التّجري علَّة تامّة للقبح لكن لا إشكال في كونه مقتضيا له بحيث يحتاج ارتفاعه إلى اجتماعه مع عنوان حسن غالب حسنه على قبحه أو مساو له وليس ممّا لا يقتضي بالنّظر إلى أنفسها شيئا توضيح ما ذكره أنّ القائلين بالتّحسين والتّقبيح العقليّين اختلفوا بعد اتفاقهم على ثبوتهما في الجملة في كونهما ذاتيّين في الأفعال بمعنى كون الذّات علَّة تامة لهما مطلقا على ما هو معنى الذّاتي حيث إنّه ما لا يتخلَّف عن الذات أو بالاعتبار مطلقا بمعنى عدم اقتضاء ذات الأفعال شيئا منهما نظير عدم اقتضاء ذات الممكن شيئا من الوجود والعدم أو التّفصيل بين القبح والحسن أو التّفصيل بين الأفعال بمعنى كونهما في بعضها من الذّاتيات ( 1 ) بمعنى اقتضاء الذّات لهما ولو خلَّيت طبعها بحيث لا ينافي عدم فعليّتهما لمانع يمنع عن تأثير المقتضي والذاتي بهذا المعنى أيضا لا يمكن أن يتخلَّف عن الذات ضرورة امتناع تخلَّف الذاتي عن الذات مطلقا إلَّا أنّ مقتضى الذات قد يكون العلَّية وقد يكون الاقتضاء والسّببيّة وهذا أمر ظاهر وهذا هو المختار للأستاذ العلَّامة من بين الوجوه وفاقا لجمع من المحقّقين فلذا ذكر دام ظلَّه أن التّجري لو سلَّم أنّه ليس علَّة تامّة للقبح كالظَّلم فلا أقلّ من أن يكون مقتضيا له كالكذب فجعله ممّا لا يقتضي بالنّظر إلى ذاتها شيئا ممّا لا وجه له فإذا ثبت كونه مقتضيا للقبح في نظر العقل فلا معنى للحكم بعدم قبحه في مورد إلَّا بانضمام ما يتدارك به قبحه من الحسن الفائق عليه أو المقاوم له ضرورة أنّ المانع من الجهة العقليّة ليس إلَّا ما يكون من سنخها من حيث الثّبوت من العقل حتّى يتحقّق التّضاد والتمانع ومن المعلوم المقرّر في محلَّه تفصيلا أنّ العقل لا يحكم بالقبح أو الحسن بالنّسبة إلى عنوان إلَّا بعد القطع به وليس للحكم العقلي واقعيّة كالحكم الشّرعي يتبع العنوان الواقعي المعلوم عند الشارع مع عدم علم المكلَّف به ضرورة أنّ الحكم ليس له واقعية بالنّظر إلى نفس الحاكم حتّى يحتمل ثبوته مع احتمال ثبوت موضوعه فضلا عمّا لو اعتقد عدم الثّبوت فإذا فرض حكم العقل بقبح ارتكاب المضرّ لم يكن معنى للقول باحتمال وجود حكمه مع احتمال الضّرر فيه بل مع احتماله يقطع بعدم حكم العقل بقبحه ضرورة أنّ الحكم من الوجدانيّات للحاكم فإذا كان هذا حال صورة الاحتمال فكيف حال ما إذا قطع بعدم وجود الضّرر في شيء مع كونه مضرّا في الواقع نعم ؛ لو فرض لحوق حكم العقل واقعا لمحتمل الضّرر كان حكم العقل موجودا مع الاحتمال لكنّه خروج عن الفرض كما لا يخفى فنقول في المقام إنّه إذا فرض قطع العبد بحرمة شيء أو وجوبه لم يكن ريب في تحقّق التّجري على تقدير إتيانه بالفعل في الأوّل وتركه له في الثّاني حسب ما اعترف به الخصم ولا يعقل منعه أيضا وإن صادف اعتقاده في الأوّل واجبا توصّليا وفي الثّاني حراما توصّليا يحكم العقل بحسن الإتيان به على التقدير الأوّل وقبحه على التّقدير الثّاني على تقدير العلم بعنوانهما المقتضي لهما في نظره ولا يعقل اتّصاف العنوان الواقعي بالحسن في الأوّل والقبح في الثّاني حتّى يكون مزاحما لعنوان التّجري المقتضي للقبح في نظر العقل إذ ليس قبح التّجري مقيّدا بعدم ذلك العنوان في الواقع حتّى يكون وجوده الواقعي رافعا لقبح التجري بل مقيّد بعدم الحسن الفائق على قبحه ومن المعلوم عدم عروض الحسن للعنوان الواقعي إلَّا مع العلم به إذ الحسن من مقولة الحكم والإنشاء للعقل حسب ما عرفت فلا واقعيّة له وليس الحسن والقبح من قبيل المصلحة والمفسدة حتّى يكون وجودهما الواقعي تابعا لوجود ما هو الموضوع لهما واقعا فإذا قطع العبد بوجوب قتل شخص وأنّ المولى أمر بقتله من جهة قطعه بكونه كافرا أو عدوّا للمولى فتجرّى ولم يقتله مع مصادفة قطعه لمن يحرم قتله من المؤمن أو الحبيب فلا معنى للحكم بارتفاع قبح التّجري من جهة هذه المصادفة الَّتي لا يترتّب عليها أثر ولذا التزم الخصم بأنّه لو قتله كان معذورا ضرورة أنّ معذوريّته لا تجامع إلَّا مع عدم حرمته وإلَّا فلا معنى للحكم بالعذر فترك قتل المؤمن من جهة كونه مجهول العنوان لا يمكن أن يتّصف بحسن حتّى يرفع قبح التّجري كما أنّ فعله من جهة كونه مجهول العنوان لا يمكن أن يتصف بقبح حتى ترفع حسن الانقياد على تقدير اختياره الفعل بعنوان انقياد المولى فإن قلت ما ذكرته إنّما يستقيم على تقدير القطع بعدم تحقّق ما هو المقتضي للحسن وإن كان مخالفا للواقع وأمّا على تقدير الظَّن المعتبر به كما إذا فرض قيام الطَّريق الظني إلى معرفة الكافر أو العدوّ في المثال المفروض فلا معنى للقول باستقلال العقل في الحكم بالقبح مع تجويزه وجود ما يرفعه ضرورة أنّ المعروض للقبح عند التّحقيق هو التّجري الغير المصادف لما يصادمه فالشّك في القيد يوجب الشّك في المقيّد ومعه

هامش
( 1 ) بمعنى العلَّة وفي بعضها من الاعتباريّات بالمعنى الذي عرفته وفي بعضها من الذاتيان