من حيث هو فتأمّل
لأنّا نقول أوّلا أنّ تعلَّق الذّم بما هو خارج عن الاختيار إذا لم يتعقّب عقوبة ممّا لا بأس به وإن هو إلَّا نظير مدح الشّيء على صفائه وذم الشّيء بكدورته وثانيا أنّه لا دليل على وجوب إزالتها لبقاء الاختيار معها قطعا وليست علَّة تامّة لاختيار المعاصي حتّى يقال بوجوب إزالتها ولم يدل دليل خاصّ على وجوب إزالتها من جانب الشّرع كما في جملة من الرّذائل حيث إنّه لا دليل على وجوب إزالتها ما لم يفض إلى الحرام بالوجوب الشّرعي وإن وجبت بالوجوب الخلقي
فافهم فلا يلزم الحكم بوجوب إزالتها إذا وثالثا أنّ القول بوجوب إزالتها لا ينفع الخصم في المقام إذ وجوب إزالتها لا يدلّ على حرمة الفعل الصّادر عنه بنحو من الدّلالة كما هو واضح ولعلّ الثّمرة بين تحريم الفعل ومجرّد المؤاخذة من جهة أخرى ظاهرة هذا وبمثل ما ذكرنا فليتحرر المقام لا بمثل ما حرّره الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه فإنّه لا يخلو عن مسامحة ومناقشة فإن الظَّاهر منه تسليم كون التجري قبيحا حسب ما يفصح عنه مقالته في طيّ كلماته الآتية أيضا من جهة كشفه عن سوء سريرة العبد وكونه في مقام الطَّغيان مع السيّد وعصيانه فيرد عليه أنّه بعد تسليم قبح التّجري ولو من الحيثيّة المذكورة لا معنى للمنع عن اتّصاف الفعل بالحرمة والمبغوضيّة من جهة اتّحاده مع ما هو مبغوض ومورد للقبح فإنّه لا إشكال في صدق التّجري على الفعل فيكون هذا عين الالتزام بما ادّعاه الخصم من صيرورة الفعل حراما من جهة اجتماعه مع العنوان المبغوض إذ لم يرد القول بأنّ نفس اعتقاد الحرمة من الأسباب الموجبة لحرمة الفعل حتّى يقال بأنّ هذا ممّا لا معنى له لأنّه لا يعقل أن يكون علم المكلَّف بالحرمة مؤثّرا في إيجادها كيف وقد عرفت في تحرير محلّ النّزاع في أوّل المسألة أنّ هذا ممّا لا يقول به أحد ولا يدّعيه جاهل فضلا عن عالم
فقوله دام ظلَّه والحاصل أنّ الكلام في كون هذا الفعل الغير المنهيّ عنه واقعا إلى آخر ما ذكره لا يخلو عن مسامحة كما أنّ قوله المتقدّم عليه أيضا وهو قوله ومن هنا يظهر الجواب عن قبح التّجري إلى آخره لا يخلو عن مسامحة واضحة بعد ما عرفته فالقول بأنّ التّجري قبيح من أيّ وجه كان لا يجامع القول بعدم حرمة الفعل
نعم ؛ لو قيل بأنّ التّجري من الأوصاف والحالات الغير الصّادقة على الفعل لم يكن وجه لإيجاب قبحه تحريم الفعل وكان الأستاذ يحتمل ذلك
فتدبّر هذا مجمل الكلام بالنّسبة إلى ما يقال من المناقشة على الوجه الثّاني والثالث وأمّا الوجه الرّابع فلأنّا نلتزم بالشق الرابع وهو استحقاق من صادف قطعه الواقع دون من لم يصادف ولا يتوجّه عليه شيء لأنّا لا نقول بأنّ العقاب للمصادفة وعدم العقاب لعدم المصادفة حتّى يقال بأنّه يلزم القول بإناطة العقاب وعدمه بالأمر الغير الاختياري بل نقول إنّ من صادف قطعه الواقع يستحقّ العقاب لأنّه عصى اللَّه وخالفه مع اجتماع جميع شرائط التّكليف له من العلم والاختيار وغيرهما ومن لم يصادف لا يستحقّ العقاب لأنّه لم يعص اللَّه لأنّ العصيان عبارة عن الإتيان بما هو مبغوض للمولى ومتعلَّق لنهيه مع اجتماع جميع شرائط التّكليف في الفاعل والمفروض أنّ من لم يصادف قطعه الواقع لم يأت بما هو متعلَّق لنهي المولى واقعا غاية الأمر أن عدم إتيانه به كان من جهة عدم مصادفة قطعه للواقع اتّفاقا
والحاصل أنّ استحقاق العقاب إنّما يترتّب بحكم العقل على معصية المولى الحاصلة بإتيان ما هو مبغوض له مع اجتماع شرائط التّكليف الَّتي ترجع حقيقة إلى شرط المبغوضيّة الفعليّة الَّتي هي مناط الاستحقاق فلا معنى لثبوت استحقاق العقاب في غير الصّورة سواء كان هناك اعتقاد بالمبغوضيّة أم لا ضرورة أنّ الاعتقاد لا يوجب تعلَّق النّهي بالمعتقد على ما اعترف به الخصم
أيضا ولازم هذا المعنى اختيار الشّق الرابع وليس فيه إناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار حسب ما عرفت توضيحه هذا وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده بقوله قولك إن التفاوت إلى آخره فإن منع حسن التّفاوت بين الأمرين أي الاستحقاق وعدمه مستند إلى كون الثّاني من جهة الأمر الغير الاختياري مع عدم القبح فيه فحصل التّفاوت من جهة الأمر الغير الاختياري إلَّا أنّ ما ذكرنا من التّحرير واضح فإنّ المقصود منه وإن كان ما ذكرنا كما عرفت إلَّا أن التوهّم في بادئ النّظر ربما يتوهّم فتسليمه دام ظلَّه بصحّة إناطة استحقاق العقاب وعدمه بما هو خارج عن الاختيار مع أنّها ممّا يشهد ضرورة العقل بفسادها وقد اعترف به دام ظلَّه في كلامه السّابق وإن كان هذا ليس مرادا قطعا بل المراد حسب ما عرفت نفي ما ربما يظهر من كلام المستدلّ من أنّ عدم العقاب أيضا لا يمكن أن يكون من جهة الأمر الغير الاختياري فأراد بهذا الكلام الإشارة إلى فساد هذا التوهّم فالمقصود من منع عدم حسن الإناطة إنّما هو باعتبار مجموع العقاب وعدمه ولو كان راجعا في الحقيقة إلى الأخير لا باعتبار كلّ واحد بمعنى صحّة إناطة كلّ من العقاب وعدمه بالأمر الغير الاختياري مضافا إلى ما عرفت من كون عدم العقاب مستندا حقيقة إلى عدم ثبوت المقتضي له وإن كان له نحو من الاستناد إلى عدم المصادفة أيضا وهو ممّا لا ضير فيه كما هو واضح بل قد يقال بأنّ العصيان الموجب لاستحقاق المؤاخذة والعقاب يحصل بما يكون بعض مقدّماته خارجا عن الاختيار قطعا كالحياة والقدرة ونحوهما ممّا يكون بإفاضة اللَّه تعالى فإذا لا ضير في دخل بعض الأمور الخارجة عن القدرة في تحقّق العصيان المنوط بالاختيار مع وجود الطَّلب الإلزامي
فافهم فملخّص ما ذكرنا كلَّه أنّ من يريد القول باستحقاق العقاب لا بدّ من أن يثبت قبح التّجري وكونه من مقولة الفعل لا الصّفات والحالات وكان الأستاذ العلَّامة في مجلس البحث متردّدا في ذلك ولهذا لم يجزم بأحد الطَّرفين في آخر المسألة في الكتاب أيضا وإن كان ما عرفت من كلامه ظاهرا في جزمه بعدم تأثير التّجري في حرمة الفعل والإنصاف أنّ الجزم
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 20
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢٠