تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
غير الشّارع أصلا إذ الظَّاهر من قوله تعالى وما جعل عليكم في الدّين من حرج ونحوه هو ما ذكر لا غيره فيبقى الغير تحت العمومات والأدلَّة المقتضية للتّكليف بالأمور المتعسّرة فإذا كان موضوع وجوب الاحتياط والسّبب فيه اشتباه الحكم الإلزامي الصّادر من الشّارع بحيث لو لم يكن تقصير من المكلَّفين في حفظه وتبليغه بل في اختفاء من كان حافظا للدّين ومبيّنا لما اشتبه من أحكام جدّه سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله للمكلَّفين لم يقعوا في الاشتباه جدّا فلا ينفي تلك الأدلَّة ثانيهما : أنّ المنفي بتلك الأدلَّة هو الحكم الشّرعي لا العقلي فإنّ صريح قوله تعالى وما جعل الآية هو المجعولات الإلهيّة لا العقليّة ومن المعلوم ضرورة أنّ الحاكم بوجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي هو العقل وما ورد من الأخبار بعنوان العموم لا يستفاد منها وجوب الاحتياط وعلى تقدير الدّلالة يكون مؤكدّ لحكم العقل نظير ما دلّ من الآيات والأخبار على وجوب الإطاعة وحرمة المعصية فإن شئت قلت إنّ الاحتياط من مراتب الإطاعة الَّتي لا يمكن أن يتعلَّق بها حكم شرعي مولويّ فلا ينفيه ما دلّ على عدم جعل الحكم الحرجي في الدّين إذ هو مفسّر وشارح لما أثبته الشّارع من الأحكام فكما أنّ إثبات وجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي بالتّكليف الإلزامي ليس من الشّارع كذلك نفيه ليس منه بما ينفي المجعولات الشّرعيّة هذا ولكنّك خبير بفساد كلا الوجهين أمّا الأوّل فلما ذكره قدس سره في الكتاب من منع الاختصاص أوّلا لأنّ دخل المكلَّف في تحقّق موضوع الحكم وتسبيبه له لا دخل له في جعل الحكم ولا أثر له بالنّسبة إليه أصلا فالجعل دائما من الشّارع سواء كان في الموضوع العسري أو الضّرري فوجوب الغسل على المريض المجنب عمدا وإن أصابه من المرض ما أصابه ممنوع وكذا أشباهه وأمثاله نعم ؛ لو قام هناك دليل قطعيّ على جعل حكم حرجيّ أو ضرريّ أو ظنّي معمول به عندهم لخرجنا به عمّا دلّ على نفي الحرج والضّرر من غير فرق بين أن يكون السّبب لإيجاد موضوعه نفس المكلَّف أو غيره ومن هنا يحكم بوجوب الجهاد والاجتهاد وإن سلَّم كونه حرجيّا وأغمض عمّا في الكتاب من منعه بأنّ مزاولة العلوم لأهله إلى أخره من جهة ما أفاده فيما سيجيء من كونه أشقّ من طول الجهاد وأمّا العمومات المثبتة للتكليف فهي محكومة بالنّسبة إلى ما دلّ على نفي الأمرين من غير فرق بين الصّورتين هذا مع الإغماض عن كون النّافي لوجوب الاحتياط في المقام العقل بملاحظة لزوم الاختلال وتسليم التّوهم المذكور على تقدير الإغماض بالنّسبة إلى ما التزم به المكلَّف من الأمور الشّاقة ثانيا فيفرق بين المريض المجنب عمدا فلا يجب عليه الغسل وبين الأجير على الأعمال الشّاقة فيجب عليه الوفاء من حيث إنّ إيجاب الوفاء في حقّه يرجع إلى إيجاب الوفاء بما التزم على نفسه باختياره كالنّاذر للأمور الشّاقة فمرجع الجعل في هذا القسم إلى إمضاء ما التزم به المكلَّف وهذا التّسليم لا ينفع المتوهّم في المقام فإنّه من القسم الأوّل لا الثّاني كما لا يخفى وأمّا الثّاني فلأنّ إيجاب الاحتياط وإن كان عقليّا والحاكم به وإن كان هو العقل المستقلّ إلَّا أنّه كاشف عن حكم شرعيّ مطابق له بقاعدة التّلازم جدّا وإلَّا لم يكن دليلا متّبعا معتبرا فإذا حكم الشّارع بعدم جعل الحكم الحرجي مطلقا سواء كان حكما واقعيّا أو ظاهريّا فيكشف ذلك عن عدم مؤاخذة الشّارع على الواقع المجهول المعلوم إجمالا في موارد تعسّر الاحتياط في تحصيله فيرفع موضوع حكم العقل بوجوب الاحتياط ومن هنا حكموا بعدم وجوب الاحتياط في الشّبهة الغير المحصورة وحكم الشّارع بعدم وجوبه عند اشتباه القبلة وقنع بالصّلاة إلى أربع جهات فتدبّر قوله قدس سره : نعم من لم يوجب الاحتياط إلخ أقول : فلعلّ المجيب المورد بما ذكر هو ممّن لا يوجب الاحتياط حتّى مع العلم الإجمالي بالتّكليف كما يشهد له قوله بعدم الدّليل على وجوب الاحتياط وكونه أمرا مستحبّا بل هو الظَّاهر فالغرض من الاستدراك بيان كون الإيراد مبنيّا على هذا الزّعم الفاسد لا على ملاحظة الشّك في الواقعة مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي الكلَّي حتّى يتوجّه على أنّ الإغماض وقطع النّظر لا يوجب رفع الأثر من العلم الإجمالي الموجود بالفرض فتدبّر قوله قدس سره : قال في الإرشاد إلخ أقول : ما ذكره في الإرشاد يحتمل وجهين أحدهما : كون كلّ من المعرفة وإيقاع الفعل على وجهه بعد المعرفة واجبا مستقلَّا وشرطا في صحّة العبادة من غير أن يكون المعرفة مقدّمة لقصد الوجه كما ربما يتراءى من العبارة في النّظرة الأولى ثانيهما : كون المعرفة مقدّمة للقصد من غير أن يكون شرطا مستقلَّا في العبادة ولعلَّه الظَّاهر بعد ملاحظة عدم القول باعتبارها على الوجه الأوّل وإن قيل باعتبار الأوّل دون الثّاني أو الثّاني دون الأوّل إلَّا من باب المقدّمة العقليّة حيث إنّ القصد إلى عنوان الفعل يتوقّف عقلا على معرفته ثمّ إنّا قد أشرنا عند البحث عن حكم العلم الإجمالي وكون الاحتياط طريقا مع التّمكن من تحصيل الظَّن المعتبر إلى ما زعمه المتكلَّمون وجمع من الفقهاء وجها لاعتبار معرفة الوجه أو قصده في تحقّق الإطاعة وإلى فساده ونشير هنا أيضا على سبيل الإجمال والاختصار طلبا لمزيد البصيرة وتنبيها لبعض ما طوينا ذكره هناك فنقول : إنّ المستفاد من كلماتهم في وجه ما ذهبوا إليه هو أنّ الفعل إنما يجب شرعا من حيث كونه معنونا بعنوان منطبق عليه لا بعنوانه الأوّلي وباعتبار كونه