الخصوصيّة المبحوث عنها والشّكّ في اعتبارها عند الشارع فيها تعبّدا وإلَّا لم يعقل التّمسك بها كما لا يخفى وهذا وإن كان أسلم من التّمسك بإطلاق العبادة إلَّا أنّه ربّما يناقش فيه أيضا بأن ما دلّ على وجوب الإطاعة وحرمة المعصية إنما هو في مقام بيان حكم الموضوعين المذكورين من غير أن يكون في مقام بيان حقيقة الإطاعة وما يعتبر فيها شرعا ؛ فتدبّر
وأمّا التمسّك بسيرة المسلمين في المقام فقد يناقش فيه أيضا بعدم العلم بوجودها بل نعلم بعدمها كيف ومذهب جماعة من الفقهاء الَّذين كان مدار عمل المسلمين على تقليدهم ومتابعة آرائهم كالعلَّامة قدس سره وغيره على اعتبار معرفة الوجه أو قصده المتوقّف على المعرفة فكيف يمكن مع ذلك تحقّق السّيرة الكاشفة عن تقرير المعصوم عليه السلام ومثله التّمسك بسيرة النّبي صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السّلام مع النّاس فإنّه يناقش فيه مضافا إلى عدم كونه وجها أخر في قبال سيرة المسلمين بأنّه لم يعلم عنوان عمل النّاس في زمان الحضور وأنّهم يكتفون بالاحتياط مع التّمكن من المعرفة العلميّة أو لا يقصدون وجه الفعل بعد تحصيل المعرفة مع أنّه قد يدّعى على تقدير تسليم العلم بالعنوان أنّ ما ورد من الآيات والأخبار في باب وجوب تحصيل العلم بالأحكام يكفي رادعا هذا مضافا إلى أنّه قد يدّعى أنّ السّيرة على إلقاء الإطاعة الإجماليّة مع التّمكن من الإطاعة التّفصيليّة العلميّة بل ادّعى عليه الإجماع في كلام بعضهم وإن كانت هذه الدّعوى فاسدة بما أسمعناك في فروع العلم فراجع فالحقّ فساد ادّعاء السيرة من الجانبين فلا وجه يقضي بوجوب تحصيل معرفة الوجه أو قصده بالمعنى المبحوث عنه في المقام وإن كان ما يدلّ على وجوب تحصيل العلم من الآيات والأخبار بالمعنى الَّذي عرفته في أوائل التّعليقة عند التّكلم في حكم العلم الإجمالي أكثر من أن تحصى
قوله قدس سره : وثانيا سلَّمنا وجوب المعرفة أو احتمال وجوبها الموجب للاحتياط إلخ
أقول : الحكم بوجوب المعرفة ظاهرا مع احتمال وجوبها مبنيّ على جريان الاشتغال في خصوص المسألة مع القول بالبراءة عند الشّك في ماهيّة العبادة ودورانها بين الأقلّ والأكثر كما اختاره شيخنا الأستاذ العلامة قدّس سرّه وفاقا للمشهور كما ستقف عليه في الجزء الثّاني من الكتاب نظرا إلى استقلال العقل في حكمه بلزوم الأخذ بالطَّريق اليقيني في باب الإطاعة عند الشّك في حصولها بغيره كما بنى عليه الأمر في أوّل الكتاب أيضا لكنّك عرفت التّأمل في ذلك هناك وأنّ مرجع الشّك إن كان إلى الشّك في حصول الإطاعة في حكم العقلاء عند إلقاء خصوصيّة من الخصوصيّات يلزم في حكم العقل الإتيان على وجه يحصل مع العلم بحصول الإطاعة وإن كان إلى الشّك في اعتبار خصوصيّة زائدة عند الشّارع مع الجزم بحصول الإطاعة عند العقلاء بدونها فلا يسلَّم حكم العقل بلزوم الإتيان بالخصوصيّة بل مبنيّ على القول بالاشتغال في ماهيّة العبادة المردّد بل يمكن المصير إلى البراءة في المثال المقام ولو قلنا بالاشتغال في ماهيّات العبادات المردّدة من حيث أنّ الرّافع لحكم العقل هو العلم بمنع الشّارع ولا يكفي مجرّد احتمال المنع على ما عرفت في طيّ كلماتنا السّابقة وستعرفه فيما يتلى عليك بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى
ثمّ إنّ الوجه فيما أفاده قدس سره من الفرق على تقدير تسليم وجوب المعرفة في الجملة بين التّمكن من المعرفة العلميّة والتّمكن من المعرفة الظَّنيّة على ما ذكروه من اعتبار الجزم بالنّية ظاهر حيث أنّه لا جزم بالمنوي في صورة الظَّن فكيف يتمكن من جعله على سبيل الجزم داعيا ولو اكتفي باحتماله لم يفرق بين الإطاعة الظَّنية والاحتماليّة الحاصلة عند الاحتياط بل لم يفرق بين صورتي اعتبار الظَّن وعدمه ضرورة أنّ حجيّة الظَّن لا يوجب القطع بوجود المظنون وإلَّا خرج عن كونه ظنّا فالدّاعي بالنّسبة إلى الأمر الواقعي عند عدم العلم بالواقع هو احتمال وجوده المشترك بين صور الظَّن والشّك والوهم
نعم ؛ قطعيّة اعتباره يوجب القطع بالحكم الظَّاهري ولا تعلَّق له بالأمر الواقعي العبادي الَّذي يجب معرفته نفسا أو مقدّمة لقصد
الوجه في العبادات ضرورة كون الأمر المتعلَّق بالطَّريق توصّليا إرشاديّا دائما ولا يوجب قصده قصد الواقع ولا يغني عنه أصلا مع أنّه على تقدير كونه تعبّديّا لم ينفع قصده عن قصد الواقع وأدلَّة وجوب الأخذ بالطَّريق وتنزيله منزلة الواقع إنما تجدي بالنّسبة إلى الآثار الشّرعيّة والأحكام الإلهيّة المحمولة على الواقع لا الآثار العقليّة المرتّبة على العلم بالواقع فلا يمكن أن يتوهّم بملاحظة دليل اعتبار الطَّريق وتنزيله منزلة الواقع إمكان الجزم بنيّة الوجه ومنه يظهر تطرق المناقشة إلى قوله قدس سره فالتّحقيق أنّ الظَّن بالوجه إذا لم يثبت حجيّته فهو كالشّك فيه إلى آخره لما عرفت من عدم الفرق بالنّسبة إلى قصد المظنون بين اعتبار الظَّن وعدمه
قوله قدس سره : بل لا يبعد ترجيح الاحتياط على تحصيل الظَّن الخاصّ إلخ
أقول : الوجه فيما أفاده من ترجيح الاحتياط عند العقل على سلوك الظَّن الخاصّ ولو كان مبنى اعتباره على ملاحظة المصلحة المتداركة لمصلحة الواقع على تقدير فوتها من سلوك الأمارة المعتبرة بالخصوص ظاهر إذ غاية ما هناك تدارك المصلحة الواقعيّة الفائتة ومن المعلوم أنّ إدراك نفس المصلحة الأوّليّة أولى من إدراك ما يتدارك به تلك المصلحة فالاحتياط بهذه الملاحظة أولى من سلوك الظَّن الخاص لكن سلوك الظَّن الخاصّ بملاحظة منع جماعة عن سلوك الاحتياط مع
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 198
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٩٨