شيئا أصلا وإن كان مسلَّما فإنّه يكفي فيه عدم عسريّة بعض أحكام الشّريعة
نعم ؛ ينافي هذا العلم الظَّن بكون كلّ حكم مجعول شرعا عسريّا لكنّه ليس مراد المستدلّ قطعا إذ مبنى كلامه على لزوم العسر من مراعاة الظَّن كلزومه من مراعاة الاحتياط وأين هذا من فرض أداء ظنّ المجتهد إلى كون المجعول في كلّ واقعة حكما عسريّا وبالجملة لا أرى وجها لتصحيح الجواب الَّذي أفاده وقد اعترضت عليه قدس سره في مجلس البحث بما عرفت فاعتذر بعد الاعتراف بعدم تماميّته بأنّه ليس جوابا مستقلَّا عنده تامّا عند التّأمّل
قوله قدس سره : سلَّمنا إمكان ذلك إلخ
أقول : ما أفاده في تصور الإمكان صريح في كون الجواب الأوّل مبنيّا على قطعيّة ما دلّ على نفي الحرج دلالة وقد عرفت ما فيه
ثمّ إنّ ما ذكره في وجه الإمكان أوّلا مبنيّ على كون نتيجة دليل الانسداد هي حجيّة الظَّن بالمعنى الأعمّ من الظَّن النّوعي والشّخصي أو كون الظَّنون القائمة في المسائل الفرعيّة مظنونة الاعتبار وما أفاده في تصويره ثانيا مبنيّ على كون اعتبار الظَّواهر من باب الظَّن المطلق وإلَّا فيخرج عن الفرض وما أفاده ثالثا في تصويره مبنيّ على ما أسمعناك في طيّ كلماتنا السّابقة فساده من إمكان اجتماع الظَّنون الشّخصيّة مع العلم على الخلاف حيث إنّا نرى بالوجدان اجتماعها في الغلبة نظرا إلى حصول الظَّن بملاحظة الغلبة بإلحاق الأفراد المشكوكة بالغالب مع العلم الإجمالي بتخلَّف النّادر والوقوع أخصّ من الإمكان وإن كان هذا الوهم في كمال الوضوح من الفساد وخلاف العقل والوجدان حتّى فيما فرضه من مثال الغلبة فإنّ الظَّن بالإلحاق بالنّسبة إلى الأفراد المشكوكة إذا لوحظت بعنوان الاجتماع لا يحصل جدّا فإذا بقي فرد مشكوك لا يمكن الظَّن بإلحاقه إلَّا إذا فرض ذهاب الظَّن بالإلحاق من غيره ممّا شكّ فيه وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا
قوله قدس سره : سلَّمنا إمكانه ووقوعه لكنّ العمل إلخ
أقول : الفرق بين العمل بالظَّن وكونه حجّة ومناطا للتّكليف في الشّرعيّات مع أدائه إلى الحكم الإلزامي في جميع الوقائع المشبهة والأخذ بالاحتياط فيها وكونه مناطا لإطاعة الأحكام المشتبهة في لزوم الاختلال على الثّاني دون الأوّل هو أنّ لزوم الاختلال إنّما هو من جهة انضمام التّعليم وتعلَّم موارد الاحتياط إلى العمل به على ما عرفته مفصّلا وهو لا يلزم من حجيّة الظَّن إذا فرض أداؤه إلى ما يوافق الاحتياط في جميع الوقائع فإنّه أمر منضبط واحد كما هو واضح
نعم ؛ لو كان الموجب للاختلال نفس العمل بالاحتياط لم يكن فرق بينهما أصلا كما لا يخفى وممّا ذكرنا كلَّه يظهر لك توجّه المناقشة إلى ما أفاده في وجه عدم ورود إشكال لزوم العسر على تقدير العمل بالظَّن وأنّه ليس كرّا على ما فرّ منه بقوله لأنّ العسر اللَّازم على تقدير طرح العمل بالظَّن كان بالغا حدّ اختلال النّظام من جهة لزوم مراعاة الاحتمالات المشكوكة والموهومة إلى آخره حيث إنّ ظاهره بيان الفرق بين الأمرين مع قطع النّظر عن التّعليم والتعلَّم وهو كما ترى فإنّ المفروض في الإيراد أداء ظنّ المجتهد إلى ما يوافق الاحتياط في جميع الوقائع المشتبهة فلا يبقى هنا موارد موهومة ومشكوكة حتّى تجعل فارقة
نعم ؛ لو فرض لزوم الحرج من العمل بالظَّن فيما لو أدّى إلى ما يوافق الاحتياط في كثير من الوقائع المشتبهة بحيث لو انضمّ إلى العمل بالظَّن العمل بالاحتياط في سائر الموارد المشتبهة لزوم الاختلال توجّه الفرق بينهما بما أفاده لكنّه رجوع عمّا ذكره سابقا من كون الاختلال مستندا إلى التّعليم والتعلَّم وبالجملة عبارة الكتاب في بيان الفرق لا يخلو عن شيء
قوله قدس سره : ومنها أنّه يقع التّعارض إلخ
أقول : وقوع التّعارض بين ما دلّ على حرمة العمل بالظَّن ودليل نفي الحرج إنما هو من جهة اقتضاء النّافي للحرج حجيّة الظَّن بعد فرض تماميّة سائر المقدمات كما هو المفروض عند البحث في بطلان الاحتياط كالبحث عن سائر ما له دخل في تماميّة الدّليل فيتعارضان في حكم العمل بالظَّن في زمان الانسداد منعا وإثباتا تعارض العامين من وجه فإذا كان الأوّل أكثر فلا مجال لترجيح الثّاني عليه غاية الأمر تعادلهما فيحكم بتساقطهما والرّجوع إلى ما يقتضي وجوب الاحتياط من حكم العقل بملاحظة العلم الإجمالي
قوله قدس سره : وفيه ما لا يخفى لما عرفت إلخ
أقول : لا يخفى عليك وضوح فساد التّعارض المتوهّم في المقام فإنّ الدّليل الدّال على وجوب العمل بالظَّن وارد على ما دلّ على حرمته من جهة التّشريع بل من جهة إحراز الواقع بالاحتياط أيضا ضرورة ارتفاع موضوع التّشريع المبنيّ على عدم العلم بالحجيّة والاحتياط المبنيّ على احتمال الضّرر بالدّليل القائم على الحجيّة بل التّعارض المتوهّم في المقام إنما هو بملاحظة الاحتياط فإذا حكم بارتفاع موضوعه بدليل نفي الحرج فلا يبقى تعارض أصلا فأين تعارض الدّليلين حتّى يصير الاحتياط مرجعا بعد تساقطهما ومن هنا يظهر أنّه لا تعارض حقيقة بين دليل الحرمة ودليل نفي الحرج على تقدير ثبوت الحرمة الذّاتية للعمل بالظَّن أيضا إذ مقتضى دليل نفي الحرج عدم وجوب الاحتياط عند انسداد باب العلم وقضيّة العقل بعد تماميّة تمام المقدّمات وجوب العمل بالظَّن وأين هذا من التّعارض بين دليل الحرمة ودليل نفي الحرج فكلام المورد ساقط من أصله
قوله قدس سره : ومنها أنّ الأدلَّة النّافية للعسر إلى آخره
أقول : توهّم عدم شمول الأدلَّة النّافية للعسر للمقام من وجهين
أحدهما : ما أفاده قدس سره في الكتاب من أنّ المنفيّ بها هو الأحكام المجعولة أوّلا وبالذّات للأفعال والموضوعات العسرة بحيث لم يستند إلى
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 195
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٩٥