وكيف لا يكون إنكار عمل الطَّائفة بخبر الواحد رأسا طعنا وقدحا في المذهب ويكون إنكارهم للعمل بخبر غير السّليم طعنا فيهم وقدحا في المذهب
فتأمّل لعلَّك تقف على وجه التّوفيق بين كلماته قدّس سرّه وإن كانت في غاية الاضطراب سيّما مع ما يشاهد في الفقه من المحقّق من تمسّكه بأخبار الآحاد في كثير من المسائل فراجع المعتبر حتّى تقف على حقيقة الأمر وتشهد بصدق ما ادّعيناه
قوله قدس سره : ثمّ إنّ إجماع الأصحاب الَّذي ادّعاه الشّيخ إلخ
أقول : قد عرفت في تقريب استدلال الشّيخ قدّس سرّه بالإجماع العملي في المسألة ما يوضح ما أفاده قدّس سرّه من عدم صلاحيّته لأن تصير قرينة عامّة قطعية لما عملوا به من الأخبار وإن فرض وجوده بالنّسبة إلى جميع ما في الكتب المعتبرة والأصول المعتمدة حيث إنّك قد عرفت أنّ عنوان عملهم كون المعمول به خبر واحد عدل أو ثقة أو غيرهما من العناوين ومن المعلوم أنّ مرجعه إلى الإجماع في المسألة الأصوليّة أعني حجيّة خبر الواحد في زعم المجمعين فكيف يمكن أن يصير قرينة على صدور الخبر فليس العمل الصّادر منهم بالعنوان الَّذي عرفته إلَّا نظير القول الصّادر منهم بحجيّة الخبر فهل ترى من أحد أن يتوهّم كون قولهم بحجيّة خبر الواحد قرينة على صدوره والمفروض أن الاستدلال بعملهم من حيث كشفه عن رأيهم في المسألة الأصوليّة
نعم ؛ لو اتّفقوا على الإفتاء في مسألة ورد فيها خبر واحد على طبق آرائهم مع العلم إجمالا بصدور حكم المسألة عن المعصوم عليه السلام من غير جهة الإجماع كان الإجماع المذكور قرينة قطعيّة على صدور الخبر المذكور أو ما يرادفه وأين هذا من الإجماع الَّذي يجعل دليلا على حجيّة خبر الواحد وشتّان بينهما فإنّه قرينة قطعيّة على صدور الخبر فيخرج عن عنوان خبر الواحد المجرّد ولا يمكن أن يجعل دليلا على حجيّته وهذا بخلاف الإجماع المبحوث عنه في المقام فإنّه دليل على حجيّة الخبر المجرّد ولا يمكن أن يصير قرينة على صدوره
نعم ؛ من لا يتعدّى في باب الأخبار عن الخبر المعمول به عند الأصحاب يمكن حمل كلامه على كون الاتّفاق قرينة عنده على صدور الخبر كما عرفته من ذيل كلام المحقّق في المعتبر ولكنّه لا تعلَّق له بكلام الشّيخ قدّس سرّه
قوله قدس سره : وأمّا المحقّق فليس في كلامه إلخ
أقول : قد عرفت اضطراب كلام المحقّق قدّس سرّه في المعتبر ومنافات صدوره مع ذيله فراجع
قوله قدس سره : والإنصاف أنّ ما فهمه العلَّامة إلخ
أقول : ما أفاده قدّس سرّه من عدم اعتبار عمل الأصحاب ولا الموجود في الكتب المعروفة في حجيّة الخبر الَّذي قال بحجيّته الشّيخ قدّس سرّه وكون كلامه في حجيّته قضيّة مطلقة غير مشروطة كما ذكره العلَّامة قدّس سرّه واستفادة من كلام الشيخ قدّس سرّه سواء كان راويه عدلا في الرّواية بالمعنى الَّذي عرفته من كلام الشّيخ أو ثقة ولو لم يكن إماميّ المذهب على ما عرفت من عدم دوران الحجيّة مدار العدالة عند الشّيخ قدّس سرّه بل تدور مدار الوثاقة في كمال الجودة والاستقامة فإنّك قد عرفت أنّ الشّيخ قدّس سرّه جعل عملهم بالأخبار الموجودة في الكتب إجمالا من حيث كشفه عن العنوان الَّذي اعتقده دليلا على حجيّة الخبر الجامع للعنوان الَّذي ذكره من غير اعتبار أمر آخر ولذا لم يأخذه في عنوان مختاره كما صنعه المحقّق في المعتبر هذا
قوله قدس سره : ويمكن الجمع بينهما بوجه أحسن إلخ
أقول : ربما يتوهّم من هذه العبارة كون ما أفاده سابقا من الجمع بين القول والعمل بما في الكتاب يرجع إلى الجمع بين قولي السيّد والشّيخ قدس سرهما في المسألة وهذا كما ترى توهّم فاسد ضرورة أنّ ما أفاده سابقا من إرجاع قولهم في مقام الإنكار على العامل بالخبر المجرّد إلى ما لا ينافي اتّفاقهم في العمل بالخبر المجرّد في الجملة أو عملهم إلى ما لا ينافي قولهم على ما صنعه السيّد قدّس سرّه لا تعلَّق له بالجمع بين كلامي السيّد والشّيخ قدّس سرّهما بل هو صريح في تصديق أحدهما وتكذيب الآخر على كلّ تقدير بحيث لا يمكن الجمع بينهما أصلا وهذا بخلاف الجمع الَّذي ذكره أخيرا فإنّه يرجع إلى الجمع بين قوليهما في المسألة من غير أن يكون له نظر وتعلَّق بالجمع بين إجماعي القولي الَّذي ذكره السيّد قدّس سرّه والعملي الَّذي ادّعاه الشيخ قدّس سرّه فإنّ حاصله أنّ مراد السيّد من الخبر المحفوف بالقرينة القطعيّة هو المقرون بما يفيد الاطمئنان بصدق الرّاوي والوثوق به ومراد الشّيخ من الخبر المجرّد الَّذي ادّعى إجماعهم على العمل به هو المجرّد عن القرائن الأربع مع اعترافه بدوران الحجيّة مدار الوثوق والاطمئنان بصدق الرّاوي فلا نزاع بينهما حقيقة هذا ولكن قد يناقش فيما أفاده قدّس سرّه بأنّ تعريف العلم بما اقتضى سكون النّفس تعريف معروف له ذهب إليه الأكثرون منهم السيّد قدّس سرّه في الذّريعة على ما حكي عنها والشّيخ في العدّة ومرادهم منه كما هو ظاهر ليس ما يقابل التّحير والتّردّد حتّى يصدق على الوثوق والاطمئنان بل ما يقابل الاعتقاد الجزمي القابل للزّوال بتشكيك المشكَّك أو قسم منه كالجزم الحاصل من التّقليد كما هو الظَّاهر من كلامهم أو المرتبة العليا من الاعتقاد الجزمي الَّذي يساوق الشّهود ألا ترى أنّ نبيّ اللَّه إبراهيم عليه السلام مع اعتقاده الجزمي بالمعاد والحشر وإيمانه العلمي به سأل ربّه جلّ جلاله إراءة إحياء الموتى لاطمئنان قلبه الشّريف الحاصل بالشّهود ولا ينافي مقام نبوّته ومرتبة ولايته المطلقة لأنّ مراتب العلوم كثيرة متقاربة في النّظريات والضّروريات
وغير ذلك متقاربة من حيث الظَّهور والَّذين لا يختلف حال علومهم بالمعلومات نبيّنا وأمير المؤمنين والأئمّة الطَّاهرين من ولدهما
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 168
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٦٨