فالفرق بينه وبين من كان عالما بالحقّ من الدّليل الإجمالي الَّذي لا يقدر على شرحه وبيانه بقانون علم الميزان واضح لا يكاد يخفى والدّليل على وجوب النّظر والاستدلال مستقلَّا عنده هو ما دلّ من الآيات والأخبار الكثيرة على وجوبه والذّم على تركه الظَّاهر في وجوبه كذلك والدّليل على العفو عنده على ما يستفاد من كلامه في غير هذا الموضع عدم قطع الأئمّة عليهم السلام وأصحابه والعلماء معاشرتهم مع هؤلاء وعدم معاملتهم معهم معاملة الفسّاق فضلا عن الكفّار وإلَّا لما تركوا أمرهم بتحصيل النّظر وقطع موالاتهم معهم وهذا وإن كان منظورا فيه مضافا إلى ما يقال عليه من كون العفو منافيا للَّطف الواجب على الحكيم تعالى بالوعد للطَّاعة والوعيد على المعصية حسبما عرفت بعض الكلام فيه في أوّل التّعليقة في مسألة التّجري بالنّية إشكالا وجوابا إلَّا أنّه على تقدير تسليمه لا ينافي اعتبار العدالة في الرّاوي ضرورة أنّ ترك هذا الواجب على تقدير ثبوت العفو كالصّغيرة المكفّرة باجتناب الكبيرة
قوله قدس سره : وحاصل أحدهما كفاية إلخ
أقول : هذا كلامه وأمّا الفرق الَّذين أشار إليهم من الواقفيّة والفطحيّة وغير ذلك فعن ذلك جوابان
أحدهما : أنّ ما يرويه هؤلاء يجوز العمل به إذا كانوا ثقاتا في النّقل وإن كانوا مخطئين في الاعتقاد إذا علم من اعتقادهم تمسّكهم بالدّين وتحريهم من الكذب ووضع الأحاديث وهذه كانت طريقة جماعة عاصروا الأئمّة عليهم السلام من نحو عبد اللَّه بن بكير وسماعة بن مهران ونحو بني فضال من المتأخّرين عنهم وبني سماعة ومن شاكلهم فإذا علمنا أنّ هؤلاء الَّذين أشرنا إليهم كانوا مخطئين في الاعتقاد من القول بالوقف ونحو ذلك وكانوا ثقاتا في النّقل فما يكون طريقة هؤلاء جاز العمل به
والجواب الثّاني أنّ جميع ما يرويه هؤلاء إن اختصّوا بروايته لا يعمل به وإنّما يعمل به إذا أضاف إلى روايتهم رواية من هو على الطريقة المستقيمة والاعتقاد الصحيح انتهى كلامه رفع مقامه وقال بعد جملة كلام له في ضمن أوراق ما هذا لفظه وأمّا العدالة المراعاة في ترجيح أحد الخبرين على الآخر فهو أن يكون الرّاوي معتقدا للحقّ مستبصرا ثقة في دينه منحرفا عن الكذب غير متّهم فيما يرويه فأمّا إذا كان مخالفا للاعتقاد في أصل المذهب وروي مع ذلك عن الأئمّة عليهم السلام نظر فيما يرويه فإن كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه وجب اطراح خبره وإن لم يكن هناك ما توجب اطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به وإن لم يكن هناك من الفرقة المحقّة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه ولا يعرف لهم قول فيه وجب أيضا العمل به لما روي عن الصّادق عليه السلام أنّه قال إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما يروى عنّا فانظروا إلى ما رووا عن عليّ عليه السلام فاعملوا به ولأجل ما قلنا عمل الطَّائفة بما رواه حفص بن غياث وغياث بن كلوب ونوح بن درّاج والسّكوني وغيرهم من العامّة عن أئمّتنا إلى أن قال وأمّا إذا كان الرّاوي من فرق الشّيعة مثل الفطحيّة والواقفيّة والنّاووسيّة وغيرهم نظر فيما يروونه فإن كان هناك قرينة تعضده أو خبر آخر من جهة الوثوق بهم وجب العمل به إلى أن قال فإن كان ما رووه ليس هناك ما
يخالفه ولا نعرف من الطَّائفة العمل بخلافه وجب أيضا العمل به إذا كان منحرفا في روايته موثقا في أمانته وإن كان مخطئا في أصل الاعتقاد ولأجل ما قلناه عملت الطَّائفة بأخبار الفطحيّة مثل عبد اللَّه بن بكير وغيره وأخبار الواقفيّة مثل سماعة بن مهران إلى أن قال وأمّا من كان مخطئا في بعض الأعمال وفاسقا بأفعال الجوارح وكان ثقة في روايته فإنّ ذلك لا يوجب ردّ خبره فيجوز العمل به لأنّ العدالة المطلوبة في الرّواية حاصلة فيه وإنّما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته وليس المانع من قبول خبره ولأجل ذلك قبلت الطَّائفة أخبار جماعة هذه صفتهم انتهى كلامه رفع مقامه وهو كما ترى صريح في إناطة الاعتبار بالوثاقة بل صريحه كون المراد بالعدالة في الرّواية غيرها في باب الشّهادة
قوله قدس سره : قيل لهم القرائن الَّتي تقترن بالخبر وتدل على صحّته إلخ
أقول : الموجود في بعض نسخ العدّة الموجود عندي كما في الكتاب من جهة تعداد القرائن والظَّاهر أنّه غلط من النّاسخ فإنّ التّواتر ليس في قبال السّنة فلا بدّ أن يذكر بدله العقل فإنّما يذكره بعد ذلك في عداد القرائن الأدلَّة الأربعة وهو المعروف منه وحكاه عنه شيخنا الأستاذ العلَّامة قدّس سرّه في غير موضع فالمتعيّن كونه غلطا قال قدّس سرّه في العدّة عند ذكر القرائن وشرحها ما هذا لفظه والقرائن الَّتي تدلّ على صحّة الخبر ويوجب العلم أربعة أشياء الأوّل منها أن تكون موافقة لأدلَّة العقل وما اقتضاه لأنّ الأشياء في العقل إذا كانت على الخطر أو الإباحة على مذهب قوم فمتى ورد الخبر متضمّنا للخطر أو الإباحة ولا يكون هناك ما يدلّ على خلافه وجب أن يكون ذلك دليلا على صحّة متضمّنة عند من اختار ذلك إلى أن قال ومنها أن يكون الخبر مطابقا لنصّ الكتاب إمّا خصوصه أو عمومه أو دليله أو فحواه فإنّ جميع ذلك دليل على صحّة متضمّنة إلى أن قال ومنها أن يكون الخبر موافقا للسّنة المقطوع بها من جهة التّواتر إلى أن قال ومنها أن يكون موافقا لما أجمعت عليه الفرقة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 166
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٦٦