بقول المجتهد ورأيه فتعيّن حمل الآية عليه فإنّه يشهد له مضافا إلى ما عرفت الأمر بالإنذار والحذر الأمر بالتّفقّه فإنّه وإن أطلق على مجرّد تحمّل الخبر فيما كان المتحمّل من أهل العلم وإن لم يكن محلّ البحث في المسألة فيما كان كذلك بل أعمّ منه إلَّا أنّ الظَّاهر منه تحصيل الفهم والبصيرة والعلم بالأحكام الدّينيّة فإن شئت قلت إنّه كما لا يصدق على مجرّد نقل الأصوات والأقوال المسموعة عن المعصوم عليه السلام ولو كان الناقل من العوام بل العجمي الَّذي لا يعرف لسان المعصوم أصلا كما هو محلّ البحث في المقام الإنذار وعلى العمل عليه حسب اجتهاد المنقول إليه ولو كان مفاد النّقل حكما غير إلزامي في اجتهاده الحذر كذلك لا يصدق على مجرّد تحمّل الرّواية التفقّه في الدّين وهذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا وممّا ذكرنا يظهر فساد ما قيل في دفع الإيراد المذكور من أنّا نفرض الرّاوي من العلماء وأهل النّظر وملكة الاستنباط فإذا وجب قبول روايته وجب قبول رواية غيره بالإجماع المركَّب ضرورة كون الرّاوي مجتهدا وعاميّا لا يفرق بينهما فيما هو المقصود بالبحث في المقام فإنّ الرّاوي من حيث كونه ناقلا وحاكيا لا يصدق عليه الفقيه ومن حيث كونه فقيها لا يجب متابعته إلَّا على مقلَّديه كما هو واضح ومن هنا يظهر أنّه لا مجال لدعوى الإجماع المركَّب أو تنقيح المناط في المقام حيث إنّا لا نسلَّم دلالة الآية على حجيّة نقل الفقيه ولو قصد به الإنذار فيما كانت الرّواية بزعمه دالَّة على الحكم الإلزامي المتضمّن للخوف حتّى يلحق نقل العامي به
نعم ؛ ما ذكر من البيان مناف لرواية العلل الواردة في بيان حكمة وجوب الحجّ المذكورة في الكتاب بل ربما يقال إنّه مناف لسائر الأخبار المذكورة فيه ممّا استدلّ فيه بالآية لوجوب النّفر إلى معرفة الإمام اللَّاحق بعد مضيّ الإمام السّابق لكن الأمر من جهة رواية العلل بل وغيرها بعد كونها أخبار آحاد سهل مضافا إلى ما يقال من أنّ الإخبار بالإمامة متضمّن للإنذار وإلى أنّ الآية بملاحظتها لا بدّ أن ينزل بصورة إفادة الخبر العلم فيخرج عن محلّ الكلام هذا
وممّا ذكرنا كله يظهر ما في كلام المحقّق القمّي قدّس سرّه في القوانين في هذا المقام وما في كلام بعض أفاضل من قارب عصرنا حيث إنّه ذكر عند الإشكال في دلالة الآية ما هذا لفظه مع أنّ دلالتها ممنوعة من جهة أخرى أيضا وهي أنّه لا خفاء في أنّ مجرّد الإخبار عن أمر مخوف لا يسمّى إنذارا ما لم يقصد منه التّخويف وهذا خلاف طريقة أهل الرّواية فإن الَّذي يظهر منهم أنّهم يعنون في رواياتهم مجرّد النّقل والحكاية لا إلزام المجتهد العمل بما يروونه بل الأمر في ذلك محال إلى نظره وترجيحه ولهذا ترى أنّهم كثيرا ما يروون الرّواية ولا يعملون بها وأمّا حيث يقصدون الإلزام فهو في الحقيقة من باب الإفتاء إلى أن قال فإن قلت فعلى هذا يتعيّن القول بأنّ المراد من الإنذار بطريق الفتوى إلى أن قال قلت الإنذار بطريق الرّواية قد كان متداولا في العصر الأوّل ومعتبرا كما سيأتي التنبيه عليه في بعض المباحث الآتية وقضيّة الإطلاق تعميم الحكم إليه أيضا
نعم ؛ يتّجه أن يقال إذا ثبت بالآية جواز العمل بالخبر عند قصد الإنذار ثبت مع عدمه لعدم قائل بالفرق
ثمّ ذكر على الآية إشكالات أخر وقال في عدادها ما هذا لفظه ومنها أنّ المراد بالإنذار الإنذار بطريق الفتوى دون الرّواية بقرينة ذكر الفقه واعتبار قول الواحد فيها خارج عن محلّ البحث والجواب أنّ الإنذار يعمّ الإنذار بطريق الفتوى والرّواية وتقييده بالأوّل خروج عن الظَّاهر من غير دليل وليس في لفظ التّفقه دلالة عليه إلى أن قال وقد يقال لا مدخل للتّفقّه أعني معرفة الحكم في قبول الرّواية وإنّما يعتبر ذلك في قبول الفتوى فاعتباره في قبول الإنذار دليل على أنّ المراد به الفتوى خاصّة وجوابه أنّ التّفقّه لم يعتبر في الآية شرطا لقبول الإنذار بل جعل غاية للنّفر كالإنذار ولا
يلزم من جعل أمرين غاية لشيء أن يكون أحدهما معتبرا في الآخر ولهذا لا يعتبر في التّفقّه الإنذار مع أنّ فرض الإنذار بطريق الرّواية مع عدم التّفقه بعيد جدّا والآية واردة على الغالب انتهى ما أردنا نقله من كلامه قدّس سرّه
وفيه أبحاث وأنظار سيّما في الجواب الَّذي ذكره قدّس سرّه عن قوله وقد يقال إلى آخره غير مخفيّة على المتأمّل ولولا مخافة الإطالة والخروج عن وضع التّعليقة لأشرت إلى جميعها هذا مع أنّ كلامه كما ترى صدرا وذيلا سؤالا وجوابا لا يخلو عن تشويش واضطراب
ثمّ إنّ هنا إشكالات ومناقشات على الآية مثل أنّها لا تشمل الإخبار بغير الحكم الإلزامي وأنّ غاية مدلولها الظَّن بحجيّة الخبر وهي مسألة أصوليّة وأنّها خطاب بالمشافهين فلا يشمل المعدومين إلى غير ذلك ممّا هو واضح الاندفاع والفساد فإنّ الأوّل فاسد لقيام الإجماع على عدم الفرق مضافا إلى ما قيل من أنّ الحكم الغير الإلزامي أولى بالثّبوت بخبر الواحد من حيث إنّه يتسامح فيه بخلاف الحكم الإلزامي والثّاني فاسد بما عرفت في طيّ دفع الإيرادات الفاسدة عن آية النّبأ من عدم الفرق في حجيّة الظَّن مطلقا سيّما ظواهر الألفاظ بين المسألة الفقهيّة والأصولية العمليّة والثّالث فاسد مضافا إلى المنع من كونها من قبيل الخطاب الشّفاهي بأنّ مبنى الاستدلال ليس على شمول الخطاب للمعدومين بل على حجيّة الظَّواهر في استنباط تكاليف الحاضرين الموجودين في حقّ المعدومين حتّى يثبت الحكم المستنبط
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 157
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٥٧