تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
اعتقاد الوجوب ومع ذلك فلا تعارض بين الاعتقادين حتّى يستلزم التّخيير أرجحيّة أحدهما فإنّ الاعتقاد بجواز العمل بالأصل قبل العثور على الدّليل لا ينافي الاعتقاد بجواز العمل بخبر الواحد بعد العثور عليه ولا سبيل إلى منع الوجوب وإثبات الجواز مع الاستحباب ويرتفع التّنافي وبعد بقاء التّكليف بالأحكام وجواز الاستنباط من خبر الواحد يلزم وجوب العمل به من باب المقدّمة ولا يجدي في صحّة التّخيير كون الاستنباط حينئذ من الأصل إذ العمل بالأصل إنّما يصحّ عند تعذّر معرفة الحكم بغيره والثّاني تخيير في المسألة الفقهيّة وهو يؤدّي إلى اجتماع المتنافيين فإنّ جواز الواجب أو استحبابه غير معقول وجعله من باب التّخيير بين العمل بالخبرين المتعارضين أو فتوى المجتهدين غير مستقيم لأنّ ذلك تخيير عند الاضطرار بخلاف المقام فإنّ الآية واردة في حق الحاضرين المتمكنين من معرفة الأحكام إلَّا أنّ التخيير هناك إرشاد لطريق العمل لا لمعرفة أنّ أحدهما هو الحكم الشّرعي بالخصوص انتهى ملخّصا وأورد عليه الفاضل الملخّص بعد نقله بقوله وفيه نظر لأنّ المفهوم من التّحذير إنّما هو العمل على حسب إنذارهم من فعل أو ترك دون الإتيان به على الجهة الَّتي اشتمل إنذارهم عليها إذ التّحقيق أنّ نيّة الوجه غير معتبرة وقد وقع نظير ذلك في السّنن عند من يتسامح في أدلَّتها إذ كثيرا ما يدل الخبر على وجوب فعل أو ترك وهم يعملون به على وجه الاستحباب نظرا إلى قصوره عن إفادة الوجوب لا يقال الإخبار بوجوب شيء أو تحريمه يستلزم الإخبار بجواز الإتيان به بنيّة الوجوب أو تركه بنيّة التّحريم فإذا كان مفاد الآية استحباب العمل بخبرهم مطلقا لزم المحذور المذكور وكذا لو فرض تصريح المخبر بذلك لأنّا نقول الإخبار بالجواز لا يعدّ إنذارا فيخرج عن مورد الآية ولو عمّ الحكم إليه بالإجماع المركب يمكن التّمسك به من أوّل الأمر ولم يحتج إلى التّطويل المذكور ثمّ ما ذكره من عدم مساعدة التّأويل المذكور على التّخيير بين العمل بالأصل والخبر الواحد واضح الاندفاع لأنّ المستفاد من الآية جواز العمل بخبر الواحد فحمله على الوجوب التّخييري لا يقتضي إلَّا التّخيير بين العمل بخبر الواحد ومعادله لا التّخيير في مؤدّاهما مع أنّه أيضا غير مستقيم كما عرفت ولقد كان له أن يتمسّك أيضا بأنّ خبر الواحد قد يقتضي الوجوب التّعيني فلا يعقل أن يجب على التّخيير العمل بالواجب التعيني وما ذكره من أنّ التّخيير في المسألة الأصوليّة راجع إلى التّخيير بين اعتقاد الوجوب وعدمه غير مستقيم بل راجع إلى التّخيير في البناء على حجيّة كلّ من الدّليلين وأما ما ذكره من أنّ التّخيير هنا في مقام الاختيار والتّخيير بين الخبرين المتعارضين والفتاوى المتعارضة تخيير عند الاضطرار فإن أراد أنّ التّخيير في الصّورتين إنّما يثبت حال الاضطرار فهو لا ينافي التّنظير وإن أراد أنّ التّخيير بين الدّليلين لا يكون إلَّا عند الاضطرار فهو في محلّ المنع ثمّ لا يذهب عليك أنّ ما ذكره من أنّ الاستحباب يجمع مع الوجوب التّخييري قد أوضحنا فساده في بعض مباحث النّهي انتهى كلامه رفع مقامه وأنت خبير بأنّ ما أفاده المحقّق القمّي قدّس سرّه في المقام وإن لم يخل عن أنظار إلَّا أن ما أفاده هذا الفاضل من النّظر في كلامه لا يخلو عن أنظار أيضا غير مخفيّة على المتأمّل يطول المقام بذكرها قوله قدس سره : كما في قولك لعلَّك تفلح إلخ أقول : تمام الأمثلة المذكورة لما لا يكون متعلَّقا للتّكليف ضرورة أنّ الفلاح ودخول الجنّة وتذكَّر الغير وخشيته ليس ممّا يقبل لتعلَّق التّكليف وهذا لا ينافي لزوم ما يكون سببا لها وتعلَّق التّكليف به فإن كانت الغاية ممّا يتعلَّق التكليف به فيجب بوجوب ذيها وإلَّا فيجب تحصيلها بفعل ما يكون سببا لها هذا وقد يقال إنّ وجوب النّفر والإنذار مستلزم لوجوبها من حيث إنّ وجوب الشّيء يستلزم وجوب ما يجب له كما حقّق في بحث مقدّمة الواجب وعلى هذا القول يلزم كون الغاية ممّا يقبل تعلَّق التّكليف مطلقا فتدبّر قوله قدس سره : فإن قلت المراد بالنّفر إلخ أقول : المراد أنّه كما يترتب التّفقّه والبصيرة في الدّين قهرا على الجهاد كذا يترتب الإنذار والإخبار عند رجوعهم إلى المدينة قهرا بحكم العادة عليه كما يشاهد من المسافرين إلى غير الجهاد من الأسفار فإنّهم لا يزالون يخبرون عمّا وقع في أسفارهم فاللَّام ليس للغاية بل للعاقبة فالإخبار ليس واجبا حتّى يلزم من وجوبه وعدم قبوله لغويّته قوله قدس سره : قلت أوّلا إلخ أقول : المراد أنّه بعد الفراغ عن ظهور الآية في إيجاب النّفر للتّفقّه والإنذار من حيث ظهور اللَّام في الغاية وأنّ الأمر بالنّفر من جهة ليس هناك قرينة للمعتبرة صارفة عن هذا الظَّهور فإنّ ظهور السّياق على تقدير تسليمه ليس من الظَّهورات اللَّفظية حتّى يزاحم ظهور اللَّفظ فضلا عن أن يصير متقدّما عليه وقرينة صارفة له قوله قدس سره : وثانيا لو سلَّمنا إلخ أقول : ليس المراد أنّ مدلول الآية أمران وشيئان بل المراد أنّ الغرض من الآية ومفادها بعد الإغماض بيان كيفيّة الخروج إلى الجهاد المفروغ وجوبه المعلوم من الخارج وأنّه يجب على النّافرين إلى الجهاد أن يخرج من كلّ فرقة طائفة لتحصيل التّفقه والإنذار حتّى يحصل الغرض من الجهاد وتعلَّم الأحكام معا حيث إنّه واجب كفائيّ هذا وقد يناقش فيما ذكره من التّقريب لهذا الجواب بأنّ تعيين الكيفيّة الخاصّة لمجرّد الجهاد من جهة الدّلالة على كونه واجبا كفائيّا