وأنّ تخليّة المدينة خلاف الحكمة والانتظام وإلَّا عورض بأنّ التّعلَّم كالجهاد يحصل الغرض المقصود منه بفعل الكلّ والبعض معا فأيّ داع لتعيين البعض فما هو الجواب هو الجواب
قوله قدس سره : وثالثا أنّه قد فسّر الآية إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ الاستعانة بالرّواية على إثبات دلالة الآية على حجيّة الخبر مضافا إلى أولها إلى التّمسّك بالسّنة والمفروض التّمسك بالكتاب محلّ مناقشة لما عرفت مرارا من عدم جواز التّمسك منعا وإثباتا في مسألة حجيّة خبر الواحد بخبر الواحد المجرّد مع أنّه معارض بما سيذكره من الأخبار الكثيرة الدّالة على خلافه وبأنّه لا دليل على اعتبار التّفسير المذكور على تقدير حجيّة خبر الواحد مطلقا حيث إنّه غير مرويّ عن الأئمّة عليهم السّلام
قوله قدس سره : فليس في هذه الآية إلخ
أقول : المراد من التّخصيص ما عرفت مرارا من أنّه مجرّد رفع اليد وترك العمل بما دلّ على حرمة العمل بغير العلم لا معناه الظَّاهر المقابل للورود والحكومة
ثمّ إنّ المراد من قوله قدّس سرّه ولذا استشهد الإمام عليه السلام إلخ ليس الاستشهاد باستشهاد الإمام عليه السلام على إرادة ما ذكره من الآية الشّريفة حتّى يمنع منه بكون الأخبار المذكورة أخبار آحاد لا يعتبر في المقام على تقدير تسليم كونها من الآحاد بل الغرض ظهور المعنى المذكور من نفس الآية مع قطع النّظر عن كلّ شيء وكون استشهاد الإمام عليه السلام منطبقا عليه ؛ فتدبّر
قوله قدس سره : الثّاني أنّ التّفقّه الواجب ليس إلخ
أقول : حاصل ما أفاده أنّ الغرض من الآية وأمثالها تعلَّم الأحكام الدّينيّة الثّابتة من النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله الَّتي بلَّغها من اللَّه إلى المكلَّفين على النّافرين والإنذار والإخبار بها بعد العلم وإيصالها إلى المتخلَّفين الجاهلين بحيث يبلغ الحقّ النّفس الأمري ويصل إلى كلّ أحد فيصير النّاس كلَّهم عالمين بما بلغه النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كما يقتضيه إيجاب التّبليغ على الشّاهد فالنّافر مكلَّف بتكليفين أحدهما تعلَّم ما جاء به من النّبي صلى الله عليه وآله ثانيهما تبليغ ما تعلمه إلى غيره والمتخلَّف مكلَّف بقول ما بلغه من الأحكام الدّينيّة فإن علم بأنّ متعلَّق إخباره أمر ثابت من النّبي صلى الله عليه وآله فيجب قبوله وإن لم يعلم به لم يجب عليه القبول لا من جهة تعلَّق الحكم بالمعلوم بل من جهة الشّك في موضوع الخطاب الموجب للشّك في تعلَّق الخطاب الإلزامي فيرجع إلى الأصل كما هو الشّأن في سائر الموارد بل يحكم في المقام وأشباهه من موارد الشّك في وجود الطَّريق الشّرعي أو طريقيّة الموجود بالحرمة نظرا إلى أنّها مقتضى الأصل الأوّلي في مشكوك الحجيّة في جميع الموارد فينحصر مورد وجوب الحذر في الكتاب بما إذا علم المنذر بالفتح صدق المنذر بالكسر في إنذاره ليس من جهة أنّه مدلول لفظيّ للآية بل من جهة دلالة العقل عليه في جميع الخطابات والتّكاليف المتعلَّقة بالواقع من حيث إنّ مدلول الخطاب فيها تابع لوجود موضوعه في نفس الأمر إلَّا أنّ تنجزّه على المكلَّف وفعليّته في حقّه في حكم العقل مشروط بتبيّنه ضرورة استحالة العلم بالمحمول مع الشّك في وجود الموضوع فالمقصود من الآية ليس إنشاء الحكم الظَّاهري في مسألة خبر الواحد وإعطاء مسألة أصوليّة يبحث عنها بل إنشاء تكليف على العالم بالأحكام الواقعيّة يترتّب على إطاعته رفع الجهل عن المكلَّفين
قوله قدس سره : ثمّ الفرق إلخ
أقول : قد عرفت الفرق بينهما وأنّ الأوّل راجع إلى كون الآية في مقام الإهمال وإثبات وجوب القبول في الجملة من غير أن يكون لها إطلاق يقتضي إيجاب العمل عند الشّك في الصّدق والكذب حتّى يدلّ على المرام وإن احتمل أن يكون المراد الواقعي منها ذلك إلَّا أنّها لا تدلّ عليه وساكتة عنه وأنّ الثّاني راجع إلى كونها ناطقة باختصاص مدلولها بما يقتضي في حكم العقل عدم إيجاب العمل إلَّا في صورة العلم بالصّدق لا أن يكون مدلولها اللَّفظي ذلك كما يتوهّم من العبارة في بادي النّظر فالبيان والاشتراط بالعلم على الوجه الثّاني ليس ممّا نطقت به نفس الآية
نعم ؛ هي ناطقة بأمر يلزمه في حكم العقل عدم تنجّز التكليف عند الشّك في الصّدق
قوله قدس سره : الثّالث لو سلَّمنا دلالة الآية إلخ
أقول : لا خفاء في أنّ الظَّاهر من الإنذار ليس مجرّد الإخبار بالشّيء أو بالحكم الشّرعي عن النّبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام بل هو مقابل البشارة فالتّخويف مأخوذ في مفهومه ويدلّ عليه مضافا إلى وضوحه قوله تعالى لعلَّهم يحذرون فإنّه لا معنى لطلب الحذر بقول عقيب الإخبار بقول مطلقا فلا بدّ أن يكون هناك مقتضى للحذر وليس إلَّا أن يكون هناك تخويف موجب للخوف الدّاعي على العمل هذا مضافا إلى أنّ محلّ البحث في المسألة ليس مختصّا بما تضمّن الخبر حكما إلزاميّا يتوهّم صدق الإنذار من مجرّد تعلَّمه
فتدبّر كما أنّه لا خفاء حسبما عرفت في صدر المسألة في أنّ محلّ النّزاع ومورد البحث في مسألة حجيّة خبر الواحد أنّهما هو الحكم بصدق الرّاوي فيما يحكيه عن المعصوم عليه السلام من السّنة بأقسامها والبناء على حجيّة خبره في النّسبة من غير أن يكون له تعلَّق بمدلول السّنة المحكيّة ومراد المعصوم عليه السلام منها وعنوان صدورها
نعم ؛ قد يجب التخويف على الواعظ للعالم بالأحكام والآمر بالمعروف والنّاهي عن المنكر أو على المرشد للجاهل فيما يتوقّف تأثير الواعظ والأمر والنّهي والإرشاد ولو ظنّا على التّخويف من باب اللَّطف كما أنّه قد يتضمّن الإعلام بالحكم الشّرعي الإلزامي فيما يجب إطاعته على المستمع التّخويف من باب اللَّطف كالإفتاء بالوجوب والتّحريم في حقّ العامي الَّذي يجب عليه العمل
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 156
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٥٦