إرادته في المقام لما قد عرفت من عدم إمكان جعل الحكم الظَّاهري في حقّ النّبي صلى الله عليه وآله واقعا بأيّ معنى فرض وإن اقتضت المصلحة إراءته للنّاس أنّه يسلك نحو سلوكهم في العمل بالطَّرق الظَّاهريّة وهذا أمر واضح لا سترة فيه أصلا
قوله قدس سره : ثمّ إنّ هذه الآيات إلخ
أقول : مفاد منطوق آية النّبأ بناء على كون المراد من الفاسق هو الخارج عن طاعة اللَّه تبارك وتعالى بجوارحه لا الأعمّ منه ومن الكافر عدم حجيّة خبر خصوص الفاسق بالمعنى المذكور ومفهومها على القول بثبوته حجيّة خبر غير الفاسق فيثبت حجيّة خبر الواسطة الواقعية بين الفاسق والعادل فيقع التّعارض لا محالة بين منطوقها النّافي للحجيّة ومفاد سائر الآيات المثبتة لحجيّة الخبر فإن قلنا باختصاص الآية بالنّظر إلى الأمر بالتّبيّن الظَّاهر في تحصيل العلم بصورة إمكان تحصيل العلم وشمولها للموضوعات والأحكام حسبما اتّفقوا عليه ويقتضيه مورد الآية وتعميم سائر الآيات وشمولها لصورة العجز عن تحصيل العلم نظرا إلى قضيّة ألفاظها العامّة كما هو الظَّاهر واختصاصها بالإخبار عن الحكم كما في غير الآية الأخيرة على ما هو الظَّاهر منها فالنّسبة لا يكون عموما مطلقا بين الآية وغير الآية الأخيرة ممّا اختصّ مفاده بالأحكام بل عموما من وجه حيث إنّ الآية لا تشمل صورة العجز عن تحصيل العلم وسائر الآيات تشملها والآية تشمل الإخبار بالموضوعات وسائر الآيات لا تشمله
نعم ؛ لو ادّعي اختصاص سائر الآيات أيضا بصورة التّمكن من تحصيل العلم أو التّعميم في آية النّبأ من حيث إنّ الأمر بالتّبيّن وإن كان مختصّا بصورة إمكان تحصيل العلم إلَّا أنّ مفاد الآية عدم حجيّة خبر الفاسق وأنّ وجوده كعدمه على الإطلاق لم يعتبر التّعميم في سائر الآيات من هذه الجهة بل من جهة شمولها للفاسق وغيره فالآية تنفي حجيّة خبر الفاسق مطلقا سواء في الموضوعات والأحكام وسائر الآيات ثبت حجيّة خبر المخبر فاسقا كان أو عادلا في خصوص الأحكام فتفرق الآية في خبر العادل كما أنّها تفترق عن سائر الآيات في الموضوعات فالنّسبة عموم من وجه لا محالة على تقدير اختصاص الآيات بالإخبار عن الحكم وأمّا نسبتها مع الآية الأخيرة فعموم وخصوص مطلقا من حيث شمول الآية الأخيرة للفاسق والعادل في الموضوعات والأحكام وصورتي العجز عن
تحصيل العلم وإمكانه واختصاص آية النّبأ بخبر الفاسق ومن هنا يتبيّن أنّ التّعارض بين آية النّبأ وسائر الآيات ليس مبنيّا على ثبوت المفهوم بل يعمّه وما لو قيل بعدم ثبوت المفهوم لأنّ التعارض على ما عرفت بين منطوق الآية وسائر الآيات لا بين مفهومها ومفاد سائر الآيات
ثمّ إنّ المرجع آية النّبأ فيما لوحظت مع الآية الأخيرة وأصالة عدم الحجيّة في مادّة التّعارض فيما لوحظت مع سائر الآيات فالخبر الفاسق في الأحكام الشّرعيّة الَّذي هو مادّة التّعارض لا يكون حجّة من جهة الأصل لا من جهة منطوق آية النّبأ
نعم ؛ لو قيل باختصاص مفاد المنطوق بصورة العجز عن تحصيل العلم وشمول الآيات لها كان خبر الفاسق مع العجز عن تحصيل العلم حجّة بمقتضى سائر الآيات ولا يعارضها آية النّبأ وبمثل ما ذكرنا ينبغي أن يحرّر المقام لا بمثل ما أفاده فإنّه لا يخلو عن بعض المناقشات الظَّاهرة لمن راجعه وراجع إلى ما ذكرنا
قوله قدس سره : بل يمكن انصراف المفهوم إلخ
أقول : قد يناقش فيما أفاده بأنّ دعوى انصراف المفهوم مع عدم ثبوت لفظ له إلَّا اللَّفظ المذكور في جانب المنطوق لا وجه لها نعم لو كان هناك انصراف في جانب المنطوق بتبعه في جانب المفهوم أيضا والأمر في المقام ليس كذلك ضرورة أنّه لا معنى لدعوى الانصراف في جانب المنطوق حتّى يرجع حاصلها إلى أنّ المنهي العمل بخبر الفاسق المفيد للاطمئنان هذا مع أنّ مجرّد غلبة الوجود ما لم ينضمّ إليها غلبة الاستعمال لا يوجب الانصراف عند شيخنا قدّس سرّه وأمّا الاستشهاد بالتّعليل كما في بعض النّسخ وإن لم يكن في النّسخة المصحّحة الموجودة عندي فمع كونه مبنيّا على إرادة الأعمّ من الاطمئنان من التّعليل يوجب فساد الاستدلال بالآية كما هو واضح فالمتعيّن كونه غلطا
قوله قدس سره : بل هذا أيضا منصرف سائر الآيات إلخ
أقول : قد يناقش فيما أفاده بأنّه لا معنى للانصراف إلى صورة حصول الاطمئنان بالنّسبة إلى سائر الآيات بأيّ معنى فرض الانصراف لا غلبة الوجود ولا غلبة الاستعمال بل ولا كثرة الوجود والاستعمال وإن لم تبلغ حدّ الغلبة
نعم ؛ حصول مطلق الظَّنّ من مطلق الخبر غالبي لا خصوص الاطمئنان ولا يقاس ذلك بخبر العادل الَّذي لا ريب في حصول الاطمئنان منه غالبا فلو اعتبر الانصراف بالنّسبة إلى سائر الآيات بعد الحمل على خبر العادل كان وجيها لكنّه خلاف المفروض في كلامه
ثمّ لا يخفى عليك أنّه على تقدير تسليم الانصراف المفيد المعتبر بالنّسبة إلى سائر الآيات تنقلب النّسبة بين آية النّبأ والآيات فتصير النّسبة عموما من وجه مع الإغماض عمّا ذكرنا سابقا في بيان النّسبة من جهة العموم لآية النّبأ ولسائر الآيات حيث إنّ سائر الآيات سليمة عن المعارض في خبر العادل ومنطوق الآية سليم في خبر الفاسق الَّذي لا يفيد الاطمئنان على تقدير شمولها له ويعارضان في خبر الفاسق الَّذي يفيد الاطمئنان وإن كان المنطوق أقلّ أفرادا بالنّسبة إلى سائر الآيات فيلحق بالخاصّ حكما مضافا إلى كونه معلَّلا آبيا عن التّخصيص
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 160
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٦٠