فإنّ الإجماع الدّخولي لا ريب في اعتباره بل لا يعقل الكلام فيه بعد الفراغ عن حجيّة السّنة بل إمكان تحقّقه في الجملة ووضوح اندفاع ما أوردوا عليه من الإيرادات إلَّا أنّ تحقّقه في زماننا هذا وأشباهه محلّ منع ومن هنا قال في المعالم إنّ الاطلاع على الإجماع في زماننا هذا وأشباهه من غير جهة النّقل غير ممكن بل أقول الاطلاع على الإجماع الدّخولي من جهة النّقل بالتّواتر أو القرائن المفيدة للعلم أيضا لا يخلو عن منع لأنّ الكلام إنّما هو في ناقل الإجماع لأن النّقلة لم يعاصر الأئمّة ومن عاصرهم لم يدّع الإجماع في المسائل وإن كانوا من أهل الفتوى واللَّطفي الَّذي اختاره الشّيخ قدّس سرّه وجماعة وإن لم يفرق فيه بين زماني الغيبة والحضور كما هو ظاهر إلَّا أن الحكم والمصالح المقتضية لغيبة الإمام عليه السلام هي الَّتي تقتضي رفع إيجاب إظهار الحقّ والرّدع عن الباطل عنه كما أنّ إظهار الحقّ والرّدع عن الباطل ليس واجبا مطلقا عليه في زمان الحضور أيضا ولا ينافي ذلك وجوب وجوده من جهة توقّف وجود الموجودات الخلقيّة في جميع العوالم عليه ومن هنا قالوا وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر وقال عجّل اللَّه فرجه وسلام اللَّه عليه وعلى آبائه الطَّاهرين في ردّ من زعم أنّه لا فائدة في وجود الإمام الغائب عليه السلام بعد فرض عدم تصرّفه في مرحلة الظَّاهر في العوالم الإمكانيّة وأمّا الانتفاع بي في غيبتي كالانتفاع بالشّمس إذا غابتها السحاب فانظر إلى حضرته الجليلة كيف أوضح ارتباط العوالم الإمكانيّة بشمس فلك الولاية وافتقارها إليها والاقتباس الحدوثي والبقائي من إشراقاتها النّورية بأوضح بيان وبالجملة هذه الطَّريقة محلّ مناقشة من وجوه عديدة مذكورة في مسألة الإجماع المحقّق والغرض في المقام التّعرض للمطلب بعنوان الإجمال والإشارة مقدّمة لما هو المقصود بالبحث والكلام من اتضاح حال نقل الإجماع من حيث دخوله في أيّ قسم من أقسام الخبر بعد الفراغ عن بيان أحكامها في الأمر الأول وأمّا الوجه الرّابع الَّذي اختاره بعض المتأخرين وركن إليه فلا يتم إلَّا بضمّ الوجه الثّالث إليه حتّى يحرز به مذهب خواص أصحاب الأئمّة عليهم السلام ورأيهم في المسألة ثمّ يثبت وجود سائر شروط التّقرير المحتاج إلى كلفة مع تطرّق المنع إليها ومع تماميّته بنفسه لا حاجة إلى هذا التّجشم أصلا وأمّا الوجه الثّالث الَّذي ركن إليه أكثر المحقّقين من المتأخّرين وأوضحوا القول فيه غاية الإيضاح فلا ينبغي الارتياب في تماميّته كما هو الوجه في تحصيل العلم بآراء سائر الرّؤساء في سائر المطالب من العلم باتّفاق تابعيهم على ما عرفت الكلام فيه عند بيان هذا الوجه بل أقول إمعان النّظر في كلمات أكثر العلماء قاض باستنادهم إلى هذه الطَّريقة في مقام دعوى الإجماع في المسائل كما يشهد به المتأمّل المنصف حتّى من كان ظاهره الوجه الأوّل فإنّ تحصيله بالحسّ غير ممكن عادة لمدّعي الإجماع في أمثال زماننا وتحصيله بالحدس القطعي أيضا لا معنى له لعدم طريق إليه إلَّا إجماع العلماء الكاشف عن تلقيهم عنهم عليهم السلام فيرجع الأمر بالأخرة إلى العادة وأمّا سائر الوجوه المذكورة في كلام بعض مشايخ الأعلام فتطرق المنع والمناقشة إليها ظاهر سيّما في جعل الإجماع كاشفا عن الحكم الظَّاهري والدّليل الظَّني المعتبر عند الكلّ بحيث لو وقفنا عليه لحكمنا بتماميّته من جميع الجهات لأنّ تمسّك كلّ فريق إلى ما لا نراه تامّا من جهة أو جهات ممّا لا تحيله عقل ولا عادة كيف وقد وقع ذلك في اتّفاق القدماء القائلين بوجوب النّزح ونحوه ثمّ إنّي قد وقفت بعد تحرير المقام على النّسق الَّذي عرفت على كلام لبعض أفاضل المتأخّرين في وجه كشف الإجماع عن قول الإمام عليه السلام بحكم العادة القطعيّة يرجع حاصله إلى أنّ من إفتاء كلّ واحد من العلماء يحصل الظَّن إمّا بالحكم الواقعي المستلزم للظَّن بحكم الإمام عليه السلام بعد العلم الإجمالي بصدور حكم الواقعة عنه عليه السلام أو بالحكم الصّادر عنه ابتداء من حيث إنّ همّتهم مصروفة في إدراك الحكم الصّادر عنه عليه السلام ومن جودة أنظارهم وقوة أفكارهم وشدّة ملكاتهم يحصل الظَّن من إفتاء كلّ واحد لا محالة ومن تراكم الظَّن وكثرته يحصل القطع بقول الإمام عليه السلام وهذا الوجه وإن ذكره في تقريب إثبات الطَّريقة المعروفة بين المتأخّرين إلَّا أنّه كما ترى منظور فيه من حيث إنّ خطاء الأنظار في المسائل العلميّة النّظريّة وإن توافقت وتراكمت لا تحيله عادة أصلا غاية ما هناك حصول الظن أو القويّ منه فالحقّ في تقريب بيان طريقة المتأخّرين ما عرفت الإشارة إليه في طيّ كلماتنا السّابقة قوله قدس سره : نعم يمكن أن يقال إنّهم قد تسامحوا إلخ أقول : الالتزام بتسامحهم في إطلاق لفظ الإجماع ممّا لا مناص عنه بل قد عرفت ذهاب جمع ممّن قارب عصرنا إلى كونه حقيقة في هذا المعنى المسامحيّ عند المتأخّرين وكونه مختلفي الحقيقة عند القدماء والمتأخّرين نعم ؛ هنا كلام في أنّ إطلاقه على هذا المعنى المسامحيّ هل هو مجاز في الكلمة أو لا وإنّما التّصرّف في أمر عقلي قوله قدس سره : وعلى أيّ تقدير فظاهر إطلاقهم إلخ أقول : لا خفاء فيما أفاده من كون الظَّاهر من لفظ الإجماع عند عدم القرينة وعند الإطلاق إرادة دخول قول الإمام عليه السلام في أقوال المجمعين على ما أثبته من كونه حقيقة في اتّفاق الكلّ المشتمل على الرّئيس حسبما عرفت فإنّ إطلاقه على غيره مسامحة ولو لم يكن مجازا في الكلمة خلاف الظَّاهر فيكون الإخبار عن الإجماع ( 1 ) إخبارا عن السّنة عند من قال بكون الوجه في حجيّة الإجماع اشتماله على قول المعصوم عليه السلام كما أنّ الظَّاهر منه
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 126
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٢٦
هامش
( 1 ) بناء عليه