تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦
والمراد بتوكيدها إحكامها بالقصد والعزم وكونها لأمر راجح بخلاف قولهم : لا واللّه وبلى واللّه وغيره من لغو الأيمان ، فالتوكيد في هذه الآية يفيد ما يفيده التعقيد في قوله تعالى :
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
( المائدة / 89 ) . ونقض اليمين بحسب الاعتبار أشنع من نقض العهد وإن كان منهيا عنهما جميعا على أن العناية بالحلف في الشرع الاسلامي أكثر كما في باب القضاء . وبهذا يظهر معنى قوله تعالى :
وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
فإن الحالف إذا قال : واللّه لأفعلن كذا أو لأتركن كذا فقد علّق ما حلف عليه نوعا من التعليق على اللّه سبحانه وجعله كفيلا عنه في الوفاء بما عقد عليه اليمين ، فإن نكث ولم يف كان لكفيله أن يؤديه إلى الجزاء والعقوبة ، ففي نكث اليمين إهانة وإرزاء بساحة العزة والكرامة مضافا إلى ما في نقض اليمين والعهد معا من الانقطاع والانفصال عنه سبحانه بعد توكيد الاتصال . فقوله :
« وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ »
الخ ؛ حال من ضمير الجمع في قوله :
« وَلا تَنْقُضُوا »
وقوله :
« وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ »
في معنى تأكيد النهي بأن العمل مبغوض وهو به عليم . قوله تعالى :
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً
إلى آخر الآية ؛ النقض ويقابله الإبرام إفساد ما أحكم من حبل أو غزل بالفتل فنقض الشيء المبرم كحل الشيء المعقود ، والنكث النقض ، قال في المجمع : وكل شيء نقض بعد الفتل فهو أنكاث حبلا كان أو غزلا ، والدخل بفتحتين في الأصل كل ما دخل الشيء وليس منه ، ويكنى به عن الدغل والخدعة والخيانة ، كما قيل : وأربى أفعل من الربا وهو الزيادة . وقوله :
وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً
في معنى التفسير لقوله في الآية السابقة :
« وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها »
وهو تمثيل بمرأة تغزل الغزل بقوة ثم تعود فتنقض ما أتبعت نفسها فيه وغزلته من بعد قوة وتجعله أنكاثا لا فتل فيه ولا إبرام .